كركوك.. أينما يكن النفط تكن الأطماع والأزمات

أربيل وبغداد تتبادلان تهم ارتكاب جرائم التغيير الديمغرافي في كركوك مع بدء عودة العرب والتركمان إلى المدينة في ظل مناخ انتخابي مشحون.
الجمعة 2018/02/23
عيون الشركات الأميركية تتطلع إلى كركوك مدينة النفط

تتجمع في كركوك النائمة على بحر من النفط مشاكل لا تخص العراق فحسب وإنما مشاكل أهل النفط في المنطقة العربية، فأينما يكُنْ النفط تكُنْ الأطماع والأزمات. لهذا ظلت أزمة كركوك القومية تختفي وتظهر مجددا وفق سياسات حكومات الدولة العراقية. مشكلتها قبل النفط كانت في هوية أهلها القومية، هل هي كردية أم عربية أم تركمانية، وتلك المشكلة ليست محصورة داخل محيط الدولة العراقية، وإنما بعلاقاتها بجيرانها الأكراد في كل من تركيا وإيران وسوريا.

لكن مع ظهور أول بئر نفطية فيها عام 1925 المسماة (باباكركر) توجهت نحوها الأنظار وتحولت إلى ملف للأطماع في استخدام ذكي ومدروس للمنشأ القومي الكردي. وكثرت كتابات المؤرخين والسياسيين لدعم فكرة “كردية كركوك”. واستحضرت روايات ووثائق مثال ذلك الإشارات التاريخية بقدم هذه المدينة إلى ألف عام قبل الميلاد وأن أصلهم يعود إلى الكوتيين الذين عاشوا في المناطق التي سميت فيما بعد بالكردية، رغم أن ذلك لا يعني كرديتها بل هي مدينة تعايش القوميات الكردية والتركمانية والعربية.

ولعل الأطماع الاستعمارية كانت تسعى إلى إبقائها ضمن مناطق التوتر القومي والإثني في العراق والمنطقة. وأصرت تلك السياسات على خلق الأزمات بين الأكراد والعرب والتركمان الذين يشكلون النسيج الاجتماعي لهذه المدينة. ثم تطورت مصالح النفوذ بعد تراجع النفوذ البريطاني وتصاعد المدّ الامبريالي الأميركي وتحويل قضية حقوق الأكراد القومية في العراق إلى ورقة للمصالح والضغوط ضد الأنظمة السياسية العراقية، ولتأجيج الصراعات داخل العراق، ومسيرة قرن شاهد على ذلك.

وحين يتم تحقيق الحاجات القومية الكردية تبرز كركوك فتيلا للنار تشتعل وتخبو حسب المصالح والغايات. برز ذلك مع أول اعتراف حكومي عراقي بحقوق الأكراد القومية داخل الدولة العراقية في بيان 11 مارس 1970 حيث تم توقيع اتفاقية الحكم الذاتي بين صدام حسين ومصطفى البارزاني، فأصبح للأكراد حق استخدامهم للغة الكردية كلغة رسمية بالبلاد والمشاركة في الحكومة المركزية. لكن الاتفاقية لم تتضمن وضع مدينة كركوك وتمت إحالتها إلى استفتاء سكاني وإحصاء يحدد نسبة القوميات المختلفة في المدينة. وتم التخطيط لإجراء تلك الإحصائية المهمة عام1977. ولكن اتفاقية آذار كانت ميتة قبل ذلك التاريخ حيث ساءت علاقات الحكومة العراقية مع الزعيم الكردي الملا مصطفى البارزاني وخاصة عندما أعلن رسميا حق الأكراد في نفط كركوك.

واعتبرت الحكومة العراقية إصرار الأكراد بشأن كردية كركوك كإعلان حرب وهذا ما دفعها في مارس 1974 إلى إعلان الحكم الذاتي للأكراد من جانب واحد فقط دون موافقة الأكراد الذين اعتبروا الاتفاقية الجديدة بعيدة كل البعد عن اتفاقيات سنة 1970 حيث لم يعتبر إعلان 1974 مدينة كركوك وخانقين وجبل سنجار من المناطق الواقعة ضمن مناطق الحكم الذاتي للأكراد. وأطلقت تسمية محافظة التأميم على كركوك. ولم تتساهل حكومة صدام حسين في قضية كركوك رغم تساهلها في موضوع تقاسم شط العرب باتفاقية عام 1975 مع إيران.

حين يتم تحقيق الحاجات القومية الكردية تبرز كركوك فتيلا للنار تشتعل وتخبو حسب المصالح والغايات

ولم تقدم القيادات الكردية قضية كركوك في مفاوضاتها اللاحقة مع بغداد. لأن مشكلات الحزبين الكرديين (الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي) كانت تتعلق بوجودهما ومستقبلهما. وكان للحرب العراقية الإيرانية 1988-1980 تأثيرها المباشر في الوضع الكردي حيث حاولت إيران اجتياح العراق عسكريا عبر مدينة السليمانية، لكنها فشلت بعد الاجتياح الحكومي فيما سمي بعملية “الأنفال” والقصف الكيميائي.

لم يتم تحريك قضية كركوك وسط تلك المناخات المضطربة. كانت عيون الشركات الأميركية تتطلع إلى كركوك مدينة النفط، وهي التي دفعت باللوبيات داخل أوساط القرار الأميركي لتصعيد الحرب النفسية ضد نظام الحكم الذي قدم لهم الهدية التاريخية في اجتياح الكويت في أغسطس عام 1990، لتبدأ مرحلة الهجوم السياسي ثم العسكري.

لكن كركوك ظلت محافظة على أوضاعها القلقة بعد عام 1991 ولم تدخل في خارطة الإقليم الكردي شبه المستقل بعد ذلك العام وحتى عام 2003. لكن أطماع القيادة الكردية بدأت بعد هذا التاريخ وأصبحت شعارات “كركوك مدينة المقدسات الكردية” هي السائدة، وكانت حكومة بغداد في شراكة استراتيجية مع تلك القيادة لا تبيح لها مواجهتها مباشرة لكنها وجدت في تكرار “التأجيل” منذ قانون الحكم الذاتي عام 1970 الوسيلة الوحيدة لترحيل الأزمة. فوضعت المادة (140) في الدستور القائلة بتحديد مصير الهوية القومية لكركوك إلى جانب ما سمي بالمناطق المتنازع حولها بعد إجراء إحصاء واستفتاء سكانيَّيْن.

لكن قيادة البارزاني استثمرت جميع الظروف المحيطة لتكريس غالبية سكانية كردية لكركوك عبر عملية “التكريد” في تناسل لعملية التعريب السابقة، إضافة إلى تكريس الوجود العسكري للبيشمركة في مدينة النفط والبدء بتنفيذ الاتفاقيات النفطية مع الشركات النفطية الأميركية.

وفي يونيو عام 2009 بدأت حكومة الإقليم بتصدير النفط الخام إلى أسواق أجنبية والشركات العاملة في كردستان تضخ بين 900 ألف إلى مليون برميل يوميا من حقلين شماليين للنفط إلى تركيا.

كانت الأحزاب الشيعية منشغلة خلال هذه الفترة بتكريس حكمها تحت شعور مطمئن إلى أن القيادة الكردية لن تجرؤ على الخروج من بنود الاتفاق الاستراتيجي. فاحتل تنظيم داعش المحافظات الست ومن بينها أجزاء كبيرة من كركوك خاصة منطقة الحويجة العربية، حيث توفرت لقيادة البارزاني فرصة تأمين إخضاع كركوك لهيمنته العسكرية بعد طرد داعش وكذلك خطوط التماس مع المناطق العربية في العراق. مما دفعه إلى إطلاق تصريحاته الاستفزازية “حدود الدم” في إشارة إلى استحواذه على المناطق التي سميت “المتنازع عليها“.

وفي العام الماضي أخذ حلم الزعامة البارزانية يتصاعد عبر كركوك بتوجيهه لمحافظ كركوك برفع العلم الكردي على جميع المباني الحكومية ثم الدخول في الإعلان المباشر بالدعوة إلى الاستقلال عن العراق عبر استفتاء (25 سبتمبر 2017) والذي كان النهاية الحقيقية لحلم الزعامة مثلما انتهى إليه حلم صدام في غزو الكويت عام 1991 عبر عملية اجتياح مخطط لها من قبل إيران. وفرضت الحكومة العراقية سيطرتها على كركوك، وسط استياء القيادة الكردية، ولتعاد مجددا قضية كركوك بأنها مدينة النار الموقوتة.

وفي الأيام الأخيرة تصاعدت حدة التصريحات المتعلقة بكركوك والمناطق المتنازع عليها المجاورة لها، والتي كانت تحت سيطرة الأحزاب الكردية، فالعرب يقولون إنهم قرروا الدخول سنة وشيعة، مسلمين ومسيحيين “كعرب في كركوك”، وكما قال أحد وجهاء كركوك عن المكون التركماني، إن “العنوان القومي أكثر وحدة للعراقيين من الطائفي، كما أن التعصب والتزمت القوميَّيْن مهما ارتفعا لن يكونا مثل (التعصب) الطائفي”. وتتبادل أربيل وبغداد منذ أيام تهم ارتكاب جرائم التغيير الديمغرافي في كركوك مع بدء عودة العرب والتركمان إلى المدينة. كركوك وهي تعيش الآن حالة ظلام مفزع فإنها رغم تقدّم الحل العسكري فيها مرشحة لأن تكون فتيل النار.

12