لا مكان للمشجعات في الملاعب

لا يكفي أن تدعم الأنظمة حق النساء في دخول الملاعب وتملأ دساتيرها بتشريعات قد يسعها الورق ولا تستوعبها العقول.
الجمعة 2018/02/23
السعوديات يكسرن حاجز المنع

عندما أرى محافل من النساء المشجعات صحبة أزواجهن وأبنائهن في الطريق المحاذي لبيتي بمدينة تويكنهام البريطانية قاصدين ملعب الركبي للاستمتاع بالفرجة الجماعية ومشاركة الحشود الاحتفال بفوز فريقهم المفضل، ينتابني شعور كبير بالغبطة وأتمنى أن أرى مشاهد مماثلة في بلدي تونس وفي كل الدول العربية والإسلامية التي ما زالت تمارس الإقصاء ضد النساء وتمنعهن من مشاهدة المباريات الرياضية بسبب تقاليد رجعية بالية وتعلات دينية واهية.

رغم أن تونس لا تحظر دخول النساء إلى الملاعب، مثل إيران التي تفرض قواعد متشددة منذ قيام الثورة الإيرانية قبل أكثر من 40 عاما على حضور النساء المناسبات الرياضية، أو السعودية التي تمكنت من كسر حاجز المنع وسمحت للنساء أخيرا بارتياد ملاعب كرة القدم، إلا أن الوضع بشكل عام متشابه ومن غير المرجح أن يتغير في وقت قريب، وتصبح الملاعب بيئة مناسبة لحضور النساء والاسر بشكل عام.

لا يكفي أن تدعم الأنظمة حق النساء في دخول الملاعب وتملأ دساتيرها بتشريعات قد يسعها الورق ولا تستوعبها العقول، الأهم من هذا كله أن تتغير العقليات ويختفي التعصب والعنف الذي سمم أجواء المؤسسات الرياضية، وخاصة ملاعب كرة القدم، وحولها إلى أمكنة لتفريغ الغضب وليس للتسلية والفرجة والتنافس الشريف.

عندما يتخلص الجمهور الرياضي من تحاملاته وتعصباته واعتداءاته الجسدية واللفظية التي تخدش الحياء ولا تعطي اعتبارا للقيم الاجتماعية، ستصبح المدارج حينها تتسع للجميع بما في ذلك النساء والأطفال.

ما أبعد شعار “الرياضة أخلاق أو لا تكون” عن واقع الحال السائد في ملاعب كرة القدم بمختلف الدول العربية، ولا أستثني الدول الغربية، فالسلوك اللا أخلاقي يكاد يكون قاسما مشتركا بين الجميع، وإن اختلفت الأجواء الرياضية من دولة إلى أخرى.

لقد سيطرت نزعة الكراهية والبغضاء على اللاعبين والمشجعين على حد سواء، وتحولت العنصرية المقيطة إلى ما يشبه البطاقات الحمراء التي ترفع في كل زمان ومكان وتوزع بالمجان، ففي المدارج لم تعد تسمع غير الاغاني المشحونة بالكلمات النابية والسب والشتم، وعم الصراع والتشنج بين الكبار والصغار، وبدلا من أن يتبادلوا الأحضان والقبلات أصبحوا يتبادلون الأحقاد واللكمات، وقد يصل الأمر إلى الأفظع، فقد تعمد أحد المشجعين في المباراة الأخيرة التي جمعت النجم الساحلي والترجي الرياضي التونسي إلى تعرية نفسه في المدارج دون احترام لمن حوله في مشهد مشمئز، وينم عن انحدار أخلاقي لا مثيل له.

ملاعب كرة القدم تحولت إلى حلبات ليس لرياضة المصارعة وإنما للصراع والاقتتال واستعراض العورات، وغاب التنافس النزيه ومتعة الفرجة، وخيار الذهاب لمتابعة إحدى المباريات بات يكلف البعض أرواحهم أو يجعلهم يعيشون بعاهات مستديمة.

ولعل هذا ما سيترك كارل بلانك يرتاح في قبره، ففي عام 1890 كان هذا اللاعب ومدرب الجمباز الألماني منزعجا من ظاهرة انتشار كرة القدم في ألمانيا، أو ما سماه آنذاك بـ”المرض الإنكليزي”.

ربما كان محقا في وصفها بأنها “سخيفة وقبيحة”، وكان يأمل في أن تحافظ بلاده على رياضة الجمباز، لإيمانه بأهميتها في تأهيل الشباب بدنيا للخدمة العسكرية، وأعتقد أن حدسه كان صحيحا على الأقل بالنسبة لزماننا الراهن.

رغم أنني لم أعش مولد هذه اللعبة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس، إلا أن الكاتب الألماني أولي هيسي في حديثه عن تاريخ الكرة الألمانية، أشار إلى أن جماهير بلاده كانت مفتونة بالأندية الإنكليزية، خصوصا في فترة السبعينات، وكانت تلوح بالأعلام البريطانية في مباريات أنديتها.

ومثل هذه الأجواء التي غلب عليها التنافس الشريف والروح الرياضية والأخلاق العالية أصبحت شيئا من الماضي، وتغير أسلوب التعاطي بين الأندية واللاعبين والجماهير، وحتى لهجة تغطية وسائل الإعلام لأخبار هذه اللعبة أصبح يغلب عليها التشنج والنعوت والأوصاف القبيحة لللاعبين والجماهير.

21