"ليل العالم" تشكيل يستلهم الأسطورة ليقهر الظلام

دائما ما تصنع الحروب ظروفها الخاصة المليئة بالألم والحرمان، وهي تفرض بقسوة شرطها الحياتي على الجميع وتلون حيواتهم بمنعكساتها الاجتماعية والمالية والحياتية عامة، والمبدعون جزء من النسيج الاجتماعي الذي سيتأثر حتما بهذا المناخ العام الطارئ والقاسي، وسوف يتمظهر ذلك في العديد من الإنتاجات الإبداعية مختلفة الاتجاهات والرؤى الفنية.
الجمعة 2018/02/23
العتمة.. هل تكون نهاية مرحلة

دمشق – محمود الجوابرة، واحد من الفنانين التشكيليين السوريين الذين طحنتهم الحرب التي تدور رحاها في سوريا منذ نحو سبع سنوات، فغيرت من مفاهيم فكرية لديهم حتى في أبسط صورها، الأمر الذي جعله يقدم على تجربة تشكيلية في دمشق حملت عنوان “ليل العالم” المقام في صالة “الآرت هاوس″، وقد تضمن المعرض عشرين لوحة رسمها خلال فترة ما يزيد عن الأربع سنوات.

ويقول الجوابرة عن فكرة عنوان المعرض “ليل العالم” “عندما بدأت الحرب في سوريا، صرت أشعر أن مصابا كبيرا سيكون، وأن آلاما كثيرة ستزرع في هذه الأرض الطيبة، ودليلي إلى ذلك وجود وجهات نظر غريبة تنظر لهذه المشكلة بشكل ظلامي سوداوي، وأن وجهات النظر العالمية هذه تجعلنا في سواد كما الليل، هذه النظرة الغريبة السوداء التي ليس لنا عهد بها سابقا، غيرت من قناعاتنا للعديد من البديهيات التي كانت متجذّرة في حياتنا اليومية، حتى المتعلقة منها بالنور والظلام وقناعاتنا بهما، فتخلخلت نظرتي بالرموز، وصرت مثقلا بكيفية الحديث عنها في تصوّرات جديدة”.

وبدأ الفنان التشكيلي السوري العمل على معرضه منذ أربع سنوات، رسم خلالها العشرات من اللوحات، مضيفا “قدّمت في هذا المعرض عشرين عملا منها اخترتها بعناية، ومن خلال هذه الأعمال حاولت تلمس موضعي الجديد في الفوضى المحيطة بنا جميعا، لشعوري الدفين أن البوصلة تاهت”.

محمود الجوابرة: الثور لا يرمز عندي للخصب والذكورة، بل هو رديف للشر والبوهيمية
محمود الجوابرة: الثور لا يرمز عندي للخصب والذكورة، بل هو رديف للشر والبوهيمية

ولمحمود الجوابرة وجهة نظر خاصة في تناول الأساطير في إبداعاته المختلفة، والتي تصل به أحيانا إلى تناول رمز ما بالمعنى المناقض لما هو معروف عنه، إذ يقول في ذلك “أفضل العمل على موضوع الأساطير برؤية مختلفة، بحيث نصل إلى مفاهيم جديدة، فمثلا رمزية الثور التي تؤشّر بالمعنى المألوف على القوة والخصب والذكورة، أرمز إليه في لوحاتي بالشر المطلق والبوهيمية”.

وهذا الإسقاط سعى إليه الجوابرة ليكون معادلا للشر الذي يسكن في قلوب الكثيرين، والظلم الذي مارسوه على الغير، ويضيف “نحن بحاجة لتغيير منظورنا إلى الأساطير القديمة، وتقديمها في أعمالنا الجديدة بأشكال مختلفة حتى لو وصلت إلى درجة التناقض، وهذا ما أسعى إليه في عملي”.

ومن يحضر المعرض الذي أقامه الفنان السوري سيلمس تماما طغيان الألوان المعتمة على اللوحات، بحيث انزاح الجو العام له إلى أجواء قاتمة، وعن هذا الاختيار يقول الفنان “اللون ودرجته هما انعكاس لحالة الشخص العامة، الألوان المعتمة هي الأقرب إلى شخصيتي، وأنا أشعر أنها الأكثر وضوحا، لأنها تعرف الضد”.

والألوان المعتمة التي حفل بها المعرض كانت نتاج سنوات عديدة، حيث عمل الفنان فيها على رسم هذه اللوحات وهو متأثر بالجو العام للأحداث التي تجري في سوريا، ويقول “كنت أشعر أحيانا أنني أريد أن أنفض عني غلالة هذه العتمة، فسارعت إلى الرسم، علني أفلح في التخلص منها، أملا في أن نصل يوما -وأتمناه قريبا- إلى الرسم بالألوان الفاتحة التي تعبّر عما نكنّه من رغبة في قرب انتهاء هذه الأزمة ووصولنا إلى الضوء الذي ننتظره بكامل إرادتنا، كانت الألوان عاتمة، لأن المرحلة كذلك، وعندما تصبح كما نأمل ستكون الألوان الفاتحة حاضرة علنا نستشرف مرحلة صاخبة بالضوء، وهو ما سيكون في معارضنا القادمة”.

ومحمود الجوابرة، فنان تشكيلي سوري، تخرج عام 1972 من معهد الفنون الجميلة بدرجة امتياز، وبدأ العمل من محافظته الجنوبية درعا، حيث قدّم أعمالا عن البيئة، واحتك في فترة من حياته المبكرة بالثقافة الإسبانية من خلال وجوده هناك، فتعرف على إبداعات قامات فنية إسبانية هامة. وفي بدايته أقام الجوابرة العديد من المعارض الفردية في مدينته درعا، ثم قدّم في دمشق معارض عديدة، وفي عام 1982 دعاه مدير مهرجان “دول البحر الأبيض المتوسط” الإيطالي جينو لوكابيتو، لإقامة معرض على هامش المهرجان الثالث لدول المتوسط في مدينة كونفيرسانو الإيطالية، كما شارك في جميع معارض اتحاد الفنانين التشكيليين في سوريا، وساهم مع مجموعة من زملائه في تأسيس مركز الفنون التشكيلية ونقابة الفنون الجميلة في درعا عام 1980.

17