مصير المبدع الجزائري

دراما تهميش الشخصيات الفكرية والفنية والأدبية في الجزائر تزداد تفاقما. ففي السنوات الأخيرة تم في الجزائر العاصمة فتح خط مترو الأنفاق، ولم تخصص أي محطة من محطاته لتخليد اسم شاعر أو رسام أو روائي أو مفكر جزائري.

الجمعة 2018/02/23
المفكر محمد أركون أحد فرسان الحرب ضد المسلمات

يتقن المسؤولون على الثقافة في الجزائر لعبة دفن الفنانين والأدباء والمفكرين الجزائريين البارزين أحياء، وتغطية آثارهم برماد النسيان إلى الأبد، بعد تشييعهم إلى مثواهم الأخير.

ضحايا هذه اللعبة النمطية كثيرون منهم الشاعر والروائي محمد ديب، الذي عاش ودفن في فرنسا، وكاتب ياسين، الذي فرض عليه أن يعيش حياة التشرد والفقر في الجزائر، ثم اضطرته ظروف التهميش والإهمال إلى مغادرة الوطن ليموت غريبا في فرنسا، ثم هناك المفكر محمد أركون، الذي نبذ من طرف المسؤولين الجزائريين حتى وفاته حيث دفن بعيدا عن سماء وطنه.

هناك الناقد البارز جمال بن الشيخ الذي مات غريبا في فرنسا أيضا، وهناك فاطمة عمروش التي تعدّ من أروع الشاعرات الأمازيغيات، وربما أول كاتبة جزائرية وشمالية أفريقية تكتب سيرتها الذاتية التي يمكن تصنيفها إلى جانب أكثر السير الذاتية أصالة وإبداعية وثورية في التراث الأدبي الإنساني، وهناك ابنتها طاوس عمروش الأديبة والمغنية المدهشة، وكلاهما ماتتا غريبتين في فرنسا، ودفنتا هناك، ولا أحد في الدولة الجزائرية نقل جثمانيهما إلى وطنهما الجزائر. أما المفكر مالك بن نبي فقد أدير له بالظهر وألقيت عليه أثقال الإهمال المادي بعنف، حيث لم ينقذ أعماله من الضياع سوى المثقف اللبناني عمر مسقاوي، الذي طبعها ولا يزال يحميها من التلف والنهب.

وفي الحقيقة فإن دراما تهميش الشخصيات الفكرية والفنية والأدبية في الجزائر تزداد تفاقما. ففي السنوات الأخيرة تم في الجزائر العاصمة فتح خط مترو الأنفاق، ولم تخصص أي محطة من محطاته لتخليد اسم شاعر أو رسام أو روائي أو مفكر جزائري، وإلى جانب هذا فإن الدولة الجزائرية قد أهملت المنزل الذي ولد وعاش فيه الشاعر الأمازيغي الجزائري سي محند أومحند وها هو يتداعي الآن وستبتلعه الأرض قريبا وبذلك ينمحي أثر أحد أبرز شعراء الجزائر الذين قاوموا الاحتلال الفرنسي شعريا وسلوكا وطنيا.

ونذكر أيضا الفنان الجزائري العالمي عبدالقادر فراح، الذي توفي في لندن منذ عقد ونيف، ودفن هناك ولا أحد كرّم ذكراه في وزارة الثقافة الجزائرية ماضيا وحاضرا، علما وأن هذا الفنان المثقف اللامع الذي عاشرته عن قرب من خلال صحبة فنية وفكرية معه لمدة عشرين سنة تقريبا قد نال تقدير نقاد التصميم المسرحي والفنون التشكيلية في أوروبا وكندا، كما يعتبر أهم مصمّم فني ومعماري مسرحي بفرقة شكسبير الملكية البريطانية على مدى عقود من الزمان.

وفي الطبعة الثانية من موسوعة مصممي القرن العشرين الصادرة في لندن، وشيكاغو في عامي 1982 و1992 لم يرد ذكر لأي فنان عربي سوى اسم عبدالقادر فراح، كممثل للعالم العربي. لاشك أن كل هؤلاء ليسوا سوى مجرد عينات لأن قائمة الضحايا طويلة جدا وتزداد انتفاخا في هذا الزمان الضرير.

15