مهرجان برلين يعاني كعادته من كوابيس السياسة

كما هي العادة، تعكس الكثير من الأفلام المختارة ضمن البرنامج الرسمي للدورة الـ68 من مهرجان برلين السينمائي، ذلك الاهتمام التقليدي القديم للمهرجان بالقضايا ذات الصبغة السياسية، حتى أن هذا الاهتمام يطغى أحيانا في تقدير قيمة الفيلم على مستواه الفني.
الخميس 2018/02/22
جورج يمارس دورا مزدوجا في الفيلم الألماني

برلين - يقدم المخرج الألماني كريستيان بيتزولد في فيلمه المشارك ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي في دورته الـ68، والمعنون بـ”ترانزيت” Transit، رؤية خاصة تدور حول فكرة أن الماضي لصيق بالحاضر، وأن الحاضر لا ينفصل عن الماضي، فإذا كانت أوروبا تعاني اليوم من تفاقم مشكلة اللاجئين فربما أنها لا تختلف عن أوروبا التي واجهت مشكلة مماثلة ولكن بدرجة أكبر، خلال الحرب العالمية الثانية، أي أن التاريخ ربما كان “يعيد نفسه” على نحو أو آخر.

شخصيات ضالة

على المستوى النظري تبدو الفكرة جذابة، أما في مجال التطبيق العملي على الشاشة، فإنها تصبح عرضة لتحديات كثيرة تتعلق بسياق السرد والتباين بين الأزمنة والأماكن، خاصة وقد اختار المخرج الألماني أن يجعل الأحداث التي يفترض أنها تقع في الماضي، تدور في الأماكن الحالية في الزمن المضارع، مما يفرض أن يبقى المتفرج يقظا ومنتبها مع تعدّد الشخصيات وتعدّد نقاط دخولها وخروجها وعودتها، حتى يمكنه أن يدرك اللعبة وقواعدها، ويكون أيضا على استعداد لأن يصبح طرفا فيها.

بطل الفيلم شاب ألماني فر من ألمانيا النازية في منتصف 1942 عندما كانت الجيوش الألمانية تزحف للسيطرة على القارة الأوروبية، وقد دخلت لتوها الأراضي الفرنسية لكنها لم تمتد بعد إلى جنوب البلاد.

المخرج الألماني كريستيان بيتزولد يعتمد كثيرا في فيلمه على الحوار وعلى مشاهد رئيسية ذات طابع مسرحي
المخرج الألماني كريستيان بيتزولد يعتمد كثيرا في فيلمه على الحوار وعلى مشاهد رئيسية ذات طابع مسرحي

هذا الشاب هو اليهودي “جورج”، الذي يصل إلى مارسيليا، حيث يريد أن يحصل على تأشيرة لدخول أميركا مع غيره من الآلاف الذين تمتلئ بهم وبأطفالهم شوارع الميناء الفرنسي الشهير، لكنهم ليسوا فقط لاجئي الأمس من أوروبا، بل معظمهم من لاجئي اليوم القادمين من العالم الثالث.

جورج ليس معه ما يكفي من مال للطعام والشراب، ولذا يقبل تكليفه من قبل رجل غامض بحمل رسالتين إلى رجل يدعى “فيدال” في الفندق الذي يقيم فيه مقابل بعض المال، وعندما يصل جورج إلى الفندق يعرف أن فيدال انتحر، وأنه كاتب يهودي هارب مثله من النازي.

يستولي جورج على حقيبة الرجل ويعثر بداخلها على مخطوطة رواية، وخطاب من سفارة المكسيك يتضمن موافقة المكسيك على منحه تأشيرة دخول لأراضيها، وسوف يكتشف أيضا أن الرسالتين هما من زوجة فيدال “ماري” التي هجرته والتي سنكتشف أنها تعيش مع طبيب، وأن الاثنين يسعيان للهجرة معا إلى أميركا.

وهذه الشخصيات التائهة الضالة الحزينة، هي شخصيات غير محدّدة الملامح تماما، فهي تضمر غير ما تظهر، وليس بوسع المرء أن يدرك مقدار الحقيقة أو الكذب فيما تقوله أو تفعله، فهي شخصيات شبحية، قد تضمر الشيء ونقيضه، الحب والغدر، الخيانة والأمانة، لكن ما سيحدث أن جورج عندما يصل إلى سفارة المكسيك ويقابل القنصل العام لتسليمه الخطاب الذي عثر عليه في حوزة فيدال، يعتقد الرجل أن جورج هو فيدال نفسه، ويمنحه تأشيرة لدخول المكسيك، ويقبل جورج القيام بالدور، فهو يناسبه تماما في هذا التوقيت الحرج، وسرعان ما يقع في حب ماري زوجة فيدال.

إلى هنا، سوف يجد المشاهد نفسه متورطا أكثر في المزيد من التفاصيل والعلاقات، خاصة علاقة جورج بطفل أفريقي لاجئ مع والدته، مولع بكرة القدم، كما قد يعجز عن تفسير لحظات الإقبال ثم النكوص، ثم تلك المقارنة بين النازية القديمة من جهة، والعداء العنصري الحالي للاجئين الأجانب في أوروبا. والمخرج الألماني مولع بهذا الأسلوب الذي يشبه المتاهة البصرية أو المرأة التي تعكس صورا مشوهة غير واضحة تماما، تشي بالضياع والعبث وعدم التحدّد، لكنه أيضا أسلوب يعتمد هنا كثيرا على الحوار وعلى مشاهد رئيسية ذات طابع مسرحي.

محيط الأحداث في المدينة: الشوارع، السيارات، المقاهي، الملابس، كلها تعكس طرز الحاضر القائم اليوم، لكن الحدث الفعلي يدور في الماضي، ولذلك يجد المشاهد صعوبة في المتابعة إن لم يكن مطلعا من قبل المشاهدة على طبيعة الفيلم.

ومن عيوب السيناريو الذي كتبه بيتزولد عن رواية للكاتبة الألمانية اليهودية أنا سيغيرز، أنه رغم رغبة مخرجه في إضفاء الطابع الحداثي، يستخدم الوسيلة التقليدية القديمة في السرد، أي الاستعانة بصوت لطرف ثالث من خارج الصورة، يروي من البداية، ويربط، ويعلّق، ويتدخّل في تفسير مواقف ودوافع الشخصيات، من دون أن يتحدّد لنا من هو هذا الطرف “الموضوعي” الذي لا يقوم بدور مباشر في الفيلم، إلى أن نكتشف في النهاية أنه إحدى شخصيات النص الروائي الذي تركه فيدال.

العودة إلى عنتيبي

الحاضر يتداخل مع الماضي في فيلم "ترانزيت"
الحاضر يتداخل مع الماضي في فيلم "ترانزيت"

يعود فيلم “7 أيام في عنتيبي” وهو من الإنتاج المتعدّد الجنسيات (عرض خارج المسابقة)، من إخراج البرازيلي خوزيه باديلا، إلى موضوع اختطاف طائرة الخطوط الفرنسية التي كانت متجهة من تل أبيب إلى باريس في يونيو 1976 وعلى متنها أكثر من 250 راكبا بينهم 84 إسرائيليا.

والموضوع يهم الألمان كون خاطفي الطائرة الأربعة كان في مقدّمتهم اثنان من الشباب الألمان، غالبا من جماعة بادر- ماينهوف اليسارية المتطرفة، كما أن هناك الطرف الإسرائيلي الذي يبدو أنه اليوم في حاجة لتلميع وجهه عن طريق استعادة انتصاراته القديمة على خصومه، والتغني بقوته الغاشمة.

سبق أن طرحت في مقالي الأول عن ملامح الدورة الـ68 من مهرجان برلين، التساؤل التالي: ما الهدف من صنع فيلم جديد عن موضوع قديم أشبع بحثا من قبل، فقد صوّرت عن موضوع أزمة الطائرة الفرنسية ثلاثة أفلام روائية طويلة، اثنان منها من الإنتاج الأميركي هما “النصر في عنتيبي”، وهو فيلم تلفزيوني أخرجه مارفين شومسكي، و”غارة على عنتيبي” لإيرفين كيرشنر (بطولة تشارلز برونسون وبيتر فينش)، والثالث هو الفيلم الإسرائيلي “عملية ثندربولت” الذي أخرجه مناخيم غولان، بالإضافة إلى عدد كبير من الأفلام التسجيلية التي قتلت الموضوع بحثا من كافة الزوايا.

هذا السؤال عاد للظهور بشكل أكثر إلحاحا بعد أن شاهدنا الفيلم، فما الداعي إلى تقديم فيلم موضوع اختطاف الطائرة وتحريرها بواسطة القوات الخاصة الإسرائيلية، إن لم تكن لدى المخرج إضافة حقيقية يقدمها للموضوع ولو من حيث الشكل واللغة والأسلوب السينمائي المستخدم في المعالجة.

ويكتفي خوزيه باديلا بتقسيم الأحداث على الأيام السبعة قبل إنهاء العملية، لكنه يبدأ من قبل اختطاف الطائرة، أي من تكليف ممثلي الحركة الشعبية لتحرير فلسطين كلا من بردجيت كولمان (روزاموند بايك) وزميلها في وولفريد بوس (دانييل برول) بالقيام بالعملية مع اثنين من الفلسطينيين.

نرى الاثنين يصعدان أثناء توقف الطائرة في مطار أثينا بحقائب مليئة بالأسلحة، ثم تتم عملية الاختطاف وتهبط الطائرة أولا في بنغازي للتزوّد بالوقود ثم في صنعاء باليمن، قبل أن تستقرّ في مطار عنتيبي بأوغندا، حيث يأتي الرئيس الأسطوري عيدي أمين شخصيا للترحيب، على طريقته الخاصة، بالرهائن متمنيا لهم طيب الإقامة في عنتيبي.

ويتم فصل الركاب الإسرائيليين عن غير اليهود، وهو ما يعيد إلى الذاكرة ممارسات النازي ضد اليهود وفصلهم عن غيرهم وتجميعهم في معسكرات الاعتقال والترحيل، وهي فكرة يلعب عليها السيناريو كثيرا ويجعلها تحدث تصدعا داخل شخصية بريدجيت وزميلها، فالاثنان يتهمان إسرائيل بالفاشية بسبب ممارساتها العنيفة ضد الفلسطينيين، لذلك يستنكران بشدة أن يتم وصمهما بالفاشية كونهما قد يضطران إلى قتل “يهود”. ويستمر احتجاز الرهائن في قاعة مغلقة في المبنى المعزول من المطار في انتظار رد حكومة إسرائيل على مطالب الفلسطينيين بالإفراج عن عدد من أسراهم.

همجية القياديين الفلسطينيين واضحة ومحدّدة في أكثر من مشهد، وهم الذين يتولون مقاليد الأمور بعد وصول الطائرة إلى عنتيبي وتهميش دور الألمانيَّيْن. ومن جهة أخرى تبدو الصورة الأكثر جاذبية واتساقا مع الطابع الإنساني النبيل والإخلاص لـ”الشعب اليهودي” والمسارعة إلى نجدته مهما كلف الأمر، ما نراه على الجانب الإسرائيلي: كيف يناقش المسؤولون الإسرائيليون الأزمة مع تأكيد رفض التفاوض مع “الإرهابيين” كعقيدة ثابتة في السياسة الإسرائيلية، ويبحثون في الوسائل المتاحة التي يمكنهم استخدامها لتحرير الرهائن بأقل قدر من الخسائر، مع الاقرار بأن “أقل خسائر” تعني 40 في المئة من الأرواح فأقل.

"7 أيام في عنتيبي" فيلم نمطي
"7 أيام في عنتيبي" فيلم نمطي

وينتهي الأمر بالتوصل إلى قرار عن طريق التصويت الديمقراطي داخل مجلس الوزراء لبدء عملية “ثندربولت” باستخدام قوة خاصة محمولة جوا تهبط تحت جنح الظلام في مطار عنتيبي وتقتل الخاطفين وتحرّر جميع الرهائن وتعود بهم سالمين إلى إسرائيل، لتكون المحصلة ضحية واحدة فقط على الجانب الإسرائيلي هو يوناتان نتنياهو شقيق رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو.

ويتحايل الفيلم على نحو ما، من خلال تصوير الصراع السياسي المكتوم بين إسحق رابين (كان وقتها رئيسا للحكومة) وزميله في حزب العمل شيمون بيريز (كان وزيرا للدفاع) لكي يوهم مشاهديه بأنهم أمام عمل يدعو في النهاية إلى السلام، وضرورة استئناف المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي كوسيلة بهدف التوصل إلى حل للنزاع القائم حتى يومنا هذا، بل هو يضع على لسان رابين في الفيلم أنه لم يكن يريد اللجوء إلى القوة وكان يفضل التفاوض لإنهاء المشكلة، لأنه يؤمن بأن الخصوم، أي الفرقاء الحاليين (الفلسطينيين) هم الذين ستجري معهم المفاوضات في الغد.

وقد كرّر مخرج الفيلم في المؤتمر الصحفي الذي أقيم بعد عرض فيلمه في برلين، أفكاره الزاعمة أن فيلمه يناصر قضية السلام وهو زعم لا يقنع أحدا، فالفيلم واضح في كونه أحد الأعمال الإضافية في آلة الدعاية الغربية للقدرات العسكرية الإسرائيلية، لكنه على مستوى الدعاية يفشل في تحقيق الهدف منه، فالجمهور الذي كان يمكنه ابتلاع مثل هذه القصص الساذجة الدعائية المباشرة في سبعينات القرن الماضي، لم يعد بوسعه قبول مثل هذا التصوير السطحي لحدث قديم، بعد أن أصبحت جميع المعلومات، بل والصور الحقيقية متاحة أمامه على قناة “يوتيوب”.

أضف إلى ذلك أن الفيلم سينمائيا يعاني من الترهل والنمطية والخطاب المباشر الغليظ، ويفتقد لأبسط قواعد أفلام الإثارة المعروفة، بل إنه يختزل الحدث الأهم في الفيلم (والواقع)، أي عملية تحرير الرهائن، في مشهد ضعيف إخراجا وتنفيذا.

الرقصة الرمزية

الإضافة الوحيدة التي أدخلها باديلا من خارج الفيلم وابتدع لها خطا خاصا داخله، تتعلق برقصة غريبة تتدرب عليها فرقة إسرائيلية، بين أعضائها راقصة ترتبط بعلاقة مع ضابط من القوات الخاصة الإسرائيلية الذي سيقود إحدى الفرق المكلفة بالعملية.

هذه الرقصة يشارك فيها نحو 20 راقصا، يظهرون أولا أثناء التدريبات، جالسين فوق مقاعد، يرتدون ملابس اليهود المتدينين بالقبعات المميزة، يتمايلون على إيقاعات وأغنية يردّدها الكورال، صاخبة ترتفع وتزداد حدة وشراسة تدريجيا، وعندما تتوقّف فجأة يكون الجميع قد اعتدلوا على مقاعدهم فيما عدا الفتاة التي تسقط على الأرض.

ويتم استخدام مقاطع من الرقصة على مدار الفيلم، ثم تستخدم بالكامل بالتوازي مع العملية العسكرية في النهاية بعد أن تكون قد اكتملت وأصبحت تقدّم على المسرح.

وتتمايل الأجساد ثم يبدأ الجميع في خلع ملابسهم وقبعاتهم وإلقائها في كومة كبيرة في منتصف المسرح، دلالة على التحرّر من صورة اليهودي التقليدي السلبي (يهودي الجيتو) وتدشينا لليهودي المقاتل، والفتاة التي تسقط على الأرض هي تعبير رمزي عن التضحية التي ستقع مع مقتل شقيق مجرم الحرب نتنياهو!

16