هل تنهض السينما العراقية من موتها السريري؟

في العراق كله الآن لا توجد دار سينما واحدة، فقد قضت عليها السياسة والدين السياسي الكاذب، بمعنى لا يوجد أول مستلزمات الصناعة السينمائية وهي دار العرض.
الخميس 2018/02/22
كبوة من كبوات الزمن

لا نغالي بالقول إن السينما العراقية في طريقها للاندثار أو الانقراض، ولا نقول إنها في طريقها إلى الموت السريري، واضعين في الحسبان أنها ربما كبوة من كبوات الزمن التي تمر فيها وأن ظرفا قاهرا يعرقل مسارها، ما لم تُعالَج جملة من الحيثيات التي تسببت فيها الكثير من المتغيرات السياسية المحبِطة، فالتراث السينمائي العراقي -الروائي بشكل خاص- يكاد لا يُذكر في المؤتمرات العربية والعالمية، وهذا أمر صريح وواضح ومؤشّر على الثقافة العراقية بشكل عام، ولا يخفى أن صناعة السينما موضوع ليس هينا ما لم تتوفر له الكثير من البنى التحتية والكوادر المختصة والجو العام الذي يتلقى مثل هذا الإنتاج، وأوله “النظافة السياسية” التي تحتضن الإبداع وتوفر له مستلزمات النجاح في بيئة صحية خالية من العُقد النفسية المفتعلة.

معاينة الأرشيف السينمائي العراقي توضّح لنا أن أول عرض سينمائي بسيط كان في عام 1909 لمجموعة تجار هواة؛ لكن في أربعينات القرن الماضي تم إنتاج “ابن الشرق” (1946)، كأول فيلم عراقي من قبل القطاع الخاص، ومنذ تلك الفترة البعيدة وحتى اليوم لم يتجاوز الإنتاج الفيلمي العراقي المئة فيلم، وهو عدد ضئيل وقليل جدا لا يتناسب والسمعة الفنية العراقية المعروفة في ميادين الفنون كلها، أما حصة الإنتاج الفيلمي الروائي فهي عادية جدا لا تلفت الأنظار إليها.

وبالرغم من المساعي الكثيرة من القطاع الخاص والحكومي لم تكن السينما العراقية قادرة على أن تكون بموازاة السينما العربية حتى اليوم، فالهيمنة الحكومية في مراحل متأخرة من هذا التاريخ السينمائي عرقلت الكثير من مشروعات القطاع الخاص الذي يُعد ساندا للقطاع الحكومي، وهو الذي أنتج من الحصة الفيلمية 48 فيلما من مجموع مئة فيلم على أكثر تقدير.

في العراق كله الآن لا توجد دار سينما واحدة، فقد قضت عليها السياسة والدين السياسي الكاذب، بمعنى لا يوجد أول مستلزمات الصناعة السينمائية وهي دار العرض لنفهم بداية أن ثمة علاقة عكسية نشأت منذ خمسة عشر عاما بين السياسة الحاكمة وبين صنّاع السينما، فأوجدت أكثر من شرخ بين التلقي العام والمنظومة الفنية التي وجدت أن الأبواب موصدة وأن السينما أصبحت تحتضر، بل وأصبحت في خبر كان.

طمس مشروعَ الفن السابع الفتي جزءٌ من التخريب العام في البلاد، ودائما السياسة ومشتقاتها وراء هذا الطمس المقصود، بالرغم من وجود الطاقات البشرية وتركة الرواد التي لا يستهان بها والحماسة الشبابية المتفجرة، والانفجار الروائي الكبير الذي تشهده الساحة الثقافية الروائية والذي يشير إلى توفير المادة الأولية الممكنة لصناعة فيلم عراقي على أقل تقدير بعد هذه القطيعة غير المسوّغة.

لا نريد أن نباشر بجرد تاريخي لهذا الموضوع، فمئة فيلم في أكثر من قرن هي حصيلة متواضعة جدا، بقدر ما نود الإشارة الى أن حجم الاستفادة من الرواية العراقية على مر كل هذا التاريخ السينمائي هو بسيط للغاية.

وبجرد سريع ومعروف سنجد أن عددا قليلا جدا من الروايات العراقية المعروفة تحولت إلى أفلام سينمائية كرواية غائب طعمة فرمان “خمسة أصوات” التي حملت اسم “المنعطف” سينمائيا ورواية “الظامئون” لعبدالرزاق المطلبي ورواية “النهر والرماد” للراحل محمد شاكر السبع والقمر والأسوار لعبدالرحمن مجيد الربيعي وفيلم “سعيد أفندي” عن قصة لأدمون صبري، وهكذا نجد أن قطيعة تاريخية روائية- سينمائية ليست جديدة على المشهد الثقافي العراقي، لكن من الحرص أن نؤشر إلى الثورة السردية الكبيرة التي يشهدها العراق في تحولاته المثيرة سياسيا واجتماعيا بما يمكن أن نقول إن مادة سينمائية ضخمة جدا قد توفرت الآن للسينمائيين الشباب الذين يحاولون فك القيود بكل الطرق المتاحة بالرغم من واقع الحال الفني الذي يشهد انتكاسات مرئية وواضحة.

14