هل يخلط سعيد سعدي أوراق الخارطة السياسية الجزائرية

انسحاب سعيد سعدي من حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية تعبير غير مباشر عن فشل الحزب في المحافظة على وحدة كيانه جراء عدم انفلاته من قبضة النظام الذي حوله إلى ظاهرة صوتية في المشهد الجزائري.
الخميس 2018/02/22
استقالة مفاجئة

بعد استقالته من رئاسة حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية في العام 2012 فاجأ سعيد سعدي في الأيام القليلة الماضية أنصاره وكذلك أحزاب المعارضة الجزائرية بانسحابه الكامل من هذا الحزب الذي تزعمه على مدى 23 سنة، فما هي دلالات هذا الانسحاب؟

الملفت للنظر هو أن هذا الانسحاب المفاجئ لم يُثر أيّ ردود فعل ملموسة وجدية في الشارع الشعبي الجزائري، ولم يحرك حتى أنصاره في شكل مظاهرة رمزية لمطالبته بالبقاء كقوة فاعلة ومحركة في هذا الحزب.

وفي الواقع فإنه يمكن اعتبار هذا الانسحاب بمثابة تعبير غير مباشر عن فشل حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية في المحافظة على وحدة كيانه وقياداته جرّاء عدم انفلاته من قبضة النظام الحاكم الذي حوّله إلى مجرد ظاهرة صوتية في مشهد الحياة السياسية الجزائرية، وخاصة بعد تمكنه من احتوائه بعد مشاركته في دعم الجيش ومؤسسة الأمن لإلغاء المرحلة الثانية من الانتخابات التشريعية في 1992، ومن ثم طرد جبهة الإنقاذ الإسلامية من الساحة السياسية رسميا.

من الملاحظ أن الأحزاب ذات الخلفية الأمازيغية، وفي صدارتها حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، قد اصطدمت بالطريق المسدود جرّاء حصرها للنضال السياسي في البعد الجهوي الواحد أي في مسألة الهوية الأمازيغية.

وهنا نتساءل هل يمكـن تصديق الإشاعات التي يروّج لها حاليا ومفادها أن سعيد سعدي يخبّئ مفاجآت قد يعلن عنها قريبا، وتكون تدشينا لحزب جديد يقوده شخصيا بعد سقوط حزبه القديم، الذي تخلّى عنه، في أحضان السلطة كما سنوضح تفاصيل ذلك فيما بعد، وخاصة بعد انضمام بعض قيادته إلى حكومة النظام الحاكم وإلى مجلس الأمة وبعد تعرضه للانشقاقات العاصفة التي فككت بنيته التنظيمية وتوجهاته السياسية؟

يلاحظ أن أغلب مؤسسي هذا الحزب في عام 1989 ينتقلون من انتماء إلى آخر حسبما تقتضيه المصلحة الشخصية ولا توحدهم عقيدة صلبة

ربما ستكون مثل هذه الإشاعة محتملة وصحيحة لأن شخصية سعيد سعدي تتميز بميلها إلى استخدام الصدمات المفاجئة لصنع الحدث السياسي للاستهلاك العام، ولكن لن يكون لهذا أي تأثير جذري لصالح المعارضة في حالة حدوثه، وبالعكس فإنه سيساهم بقوة في تشظي الأحزاب وتحقيق أحد الأهداف الاستراتيجية للنظام الجزائري الذي يراهن على أن يؤدي انسحاب سعيد سعدي إلى انتشار العدوى في صفوف أحزاب المعارضة التي سبق لها أن عانت من انشقاقات تمخضت عن نتائج وخيمة استغلتها أحزاب الموالاة، وتمكنت جراء ذلك من السيطرة على نتائج مختلف الانتخابات التي جرت في البلاد.

في هذا السياق ينبغي الإشارة أيضا إلى أن نشأة حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية تغلفها علامات استفهام كبيرة، حيث هناك خبراء سياسيون يحاججون بأن القابلة التي أشرفت من وراء الستار على ولادة هذا الحزب هو النظام الجزائري نفسه، وكان الهدف هو استخدامه ضد الحركة الأصولية الإسلامية التي بدأت تتغوَل وتهدده بصورة ملحوظة، بدءا من عهد الرئيس الجزائري الراحل الشاذلي بن جديد.

ويبرر هؤلاء الخبراء هذه الفرضية بقولهم إن مؤسسي حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية يجمعهم قاسم مشترك مكوّن من بعدين وهما الانتصار للإثنية الأمازيغية، ومعاداة التيار الإسلامي الأصولي الجزائري.

وفي الحقيقة هناك بعد آخر لا يحظى باهتمام المحللين السياسيين الجزائريين، وهو أن انتماء مؤسسي حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية ليس موحدا وراديكاليا بل إن لهؤلاء انتماءات متناقضة وفي الغالب نجدها مؤسسة على الانتهازية السياسية التي تلبس مختلف الأقنعة من أجل الوصول إلى السلطة والحصول بعدئذ على مناصب النفوذ التي توفر لهم الغنائم الاقتصادية والاجتماعية.

ويلاحظ أن أغلب مؤسسي هذا الحزب في عام 1989، وهم سعيد سعدي وعمارة بن يونس وحميد لوناوسي وفرحات مهني وخليدة تومي ومقران آيت العربي وجمال فرج الله وطارق ميرة والهادي ولد علي وحسين نية، ينتقلون من انتماء إلى آخر حسبما تقتضيه المصلحة الشخصية ولا توحدهم عقيدة صلبة، والدليل على ذلك هو أن سعيد سعدي نفسه كان ناشطا سياسيا ضمن صفوف جبهة القوى الاشتراكية، ثم تخلّى عنها من دون مبررات مقنعة ليعتنق قضية إثنية تتمثل في الثقافة الأمازيغية والتلويح بشعار الديمقراطية التي لا ترتكز فعليا على منظومة فكرية مبدئية وواضحة.

إلى جانب الدكتور سعيد سعدي هناك أعضاء مؤسسون آخرون كانوا من غلاة حزب جبهة التحرير الوطني الذي دمر البلاد، وهناك آخرون كانوا ينتمون إلى التيار الأمازيغي الذي يختزل نشاطه السياسي في الدعوة إلى الانفصال وتأسيس الجمهورية الأمازيغية، مثلما هو حال المغني والناشط السياسي المعارض فرحات مهني الموجود حاليا في فرنسا والذي قام بتشكيل “حكومة مؤقتة بفرنسا”، وأعلن رسميا أنه رئيس دولة، وجرّاء ذلك سحب النظام الجزائري منه الجنسية.

أما عمارة بن يونس الذي أسس، بعد انشقاقه عن حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، حزب الحركة الشعبية الجزائرية المساند لنظام الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة فهو بدوره قد شغل من قبل عدة مناصب وزارية في حكومات النظام الجزائري الحاكم، بدءا من عام 1999 إلى غاية 2012 بمباركة وتفويض من قبل سعيد سعدي نفسه الذي دعم نفس النظام الجزائري ضد جبهة الإنقاذ الإسلامية ومختلف أجنحتها المدنية والمسلحة.

إن حالة عمارة بن يونس ليست وحيدة بل هناك حالات كل من خليدة تومي التي عينها النظام الجزائري في منصب وزيرة الثقافة على مدى 12 سنة، ومقران آيت العربي الذي عيّن نائبا ضمن قائمة رئيس الدولة في مجلس الأمة، والهادي ولد علي الذي يشغل حاليا منصب وزير الشبيبة والرياضة بتكليف من الرئيس بوتفليقة أيضا.

9