ورق على ورق

عندما عمد فنانو الكولاج في البدايات إلى تشكيل عوالم تجريدية أو تقارب التجريدية من مواد مختلفة، لا سيما الورق الملون وقصاصات الجرائد كانوا يريدون أن يقيموا أو يعيدوا التوازن.
الجمعة 2018/02/23
الفنان الألماني كورت شفيترز أول من استخدم تقنية الكولاج

بدأ الفنان الألماني كورت شفيترز (1887-1948) مُباشرة بعد النكسة الاقتصادية التي طالت ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، بجمع نفايات ومخلفات معدنية وورقية وغيرها من المواد من شوارع ألمانيا ليأخذها إلى مشغله الفني ويصنع منها أعمالا فنية تجريدية زاخرة بالصخب والتصدع وهي في تماسك تشكيلي فني بديع  ينافي ما صنعت منه من مواد هوت على الأرض أو ألقي بها في الشوارع المنكوبة بأزماتها.

فعل ذلك مُستخدما تقنية الكولاج، لم يكن الفنان أول من استخدم تقنية الكولاج التي ولدت في فرنسا، واعتبرت من ضمن  تيار الدادائية الذي انطلق كردة فعل على الدمار العالمي الذي طال كل أوجه الحياة الإنسانية، المعنوية منها والمادية، ولكن قد تكون أعماله من أجمل ما قدمه فن الكولاج.

عندما كتب هذا الفنان كلماته التالية لم يكن على الأرجح يتخيّل حجم الدمار الذي سيطال العالم ولا يزال منذ بدايات منتصف القرن الفائت.

قال “كل شيء قد تكسّر.. أشياء جديدة كان ينبغي أن نصنعها من كل هذا الشتات، الكولاج، كان بمثابة صورة عن الثورة، ليست تلك التي كانت تعتمل في ذاتي، ولكن تلك التي كان بإمكانها أن تكون”.

لا يخفى على أحد أن هذا التيار وجد ويجد إلى الآن مكانته على الساحة الفنية وقد خلت إليه التقنيات التكنولوجية المُبتكرة لتزيد من أهميته الظاهرية والرمزية على حد السواء، فأصبح هناك فن قائم بذاته وهو “فن الكولاج الرقمي” الذي يعتمد على استخدام صور الخامات المُنتقاة ودمجها في أشكال فنية بواسطة استخدام برامج تصميم وتطبيقات ديجيتالية مُتخصصة.

غير أن ما يلفت النظر هو الاختلاف الكبير الذي يفرق ما بين كولاج الأمس، إن صحّ التعبير، وكولاج اليوم، لا سيما عندما يتكوّن من قصاصات لأوراق مدعّمة أو رقيقة تختلف بألوانها وبملمسها وبالمواد التلوينية التي أدخلها الفنان إليها.

عندما عمد فنانو الكولاج في البدايات إلى تشكيل عوالم تجريدية أو تقارب التجريدية من مواد مختلفة، لا سيما الورق الملون وقصاصات الجرائد كانوا يريدون أن يقيموا أو يعيدوا التوازن.

كانوا يريدون أن يصنعوا عوالم موازية قد تبدو خرابا، ولكنها ليست كذلك، فهم أرادوا أن يجعلوا من “الخراب” بأبعاده السياسية أو الفلسفية أو المعنوية أو المادية بنيانا ناجيا لمجرد أنه في أشكاله قابل للتوسّع وللتحوّل.

في ذلك الزمن باتت الأشياء المُهملة تلفت النظر إليها، وباتت أجزاؤها أهم من كليتها، ربما لأنها تحمل في داخلها مشاريع ولادات أو “مُشيدات” جديدة أو مُستعادة، ولعل أعمال الفنان الألماني كورتشفيترز هي من أكثر ما أشار إلى “روحية” فن الكولاج المبني على تمزّقات داخلية وخارجية على حد السواء.

ولا يخفى على أحد أنه بالرغم من كل ذلك بقيت تلك الأعمال على الرغم من بنيانها التشكيلي القوي، وعلى الرغم من هيئاتها “المُقنعة” بعيدة كل البعد عن بث الطمأنينة في أروقة النفس التي ذاقت طعم الحروب والخسارات على أنواعها.

أما اليوم، فالأمر بالنسبة لفن الكولاج مختلف تماما، فمعظم الفنانين بدلا من أن يستخدموا الممزّقات لتشكيل عوالم غرائبية بديلة، باتوا يمزقون المواد لكي يبنوا صورا ولوحات فنية يعثر فيها المُشاهد على العالم الخارجي كما يعرفه، ولكن بصيغ فنية مُبتكرة في توليفاتها، ولكن شديدة الصلة بالواقع أيضا.

ويبدو أن فن الكولاج، لا سيما اليدوي منه، ينشط على هامش الفنون المعاصرة، يتأثر بها وتتأثر به، يقدّم مقترحاته الخاصة التي أكثر ما يهمها لفت النظر إلى ما يحدث على سطح اللوحة، عند تماس حول الممزقات، مُتعرجة كانت أو بحدّ السكين.

يريد أن يوجّه الانتباه إلى كيف يتم وماذا ينتج عن لقاء أو تداخل تلك الحدود فيما بينها، فن يجاري الفنون المعاصرة في هواجسها وتحوّلاتها، ولكن دون أن يفقد ولوّ للحظة واحدة صلته المباشرة بالواقع وصوره المألوفة.

17