السينما صوت وصورة

اتجهت السينما في بداية عصر الفيلم الناطق إلى المسرح تنقل عنه فأصبحت الأفلام تمتلئ بالثرثرة، كما كثرت الأفلام التي تمتلئ بالأغاني والموسيقى بمناسبة ومن دون مناسبة.
Wednesday 2018/03/14
جان لوك غودار خير من يحقّق العلاقة الجدلية بين الصوت والصورة

يتردّد كثيرا في الكتابات عن السينما أن السينما فن الصورة والصورة فقط، وأن التعامل بالنقد والتقويم مع الفيلم يجب أن يستند أساسا إلى تحليل الصورة والصورة وحدها، وأن الفيلم الجيد هو فيلم الصورة.

هناك قدر من الصحة في هذا القول، لكن هناك في الوقت نفسه الكثير من التعسّف الذي يظلم الفيلم كثيرا، فلا شك أن الفيلم هو فن الصوت والصورة، ومن دون صوت لا يصبح الفيلم مكتملا.

صحيح أن الأفلام في عصر السينما الصامتة كانت تعتمد على الصورة، لكنها كانت تعتمد أيضا على الكلمات التي تكتب على لوحات منفصلة تعرض بجوار الشاشة لكي تعوّض غياب الحوار، وإذا كانت لدينا تحف سينمائية صامتة مثل “التعصّب” لغريفيث الأميركي أو “المدرعة بوتمكين” لأيزنشتاين الروسي، أو “البحث عن الذهب” لشابلن، فهي تنتمي إلى طفولة السينما، فلم يكن الطفل يستطيع الحديث بعد، وعندما ظهر الصوت أصبح الطفل شابا يعتمد على التعبير بالصوت والصورة.

اتجهت السينما في بداية عصر الفيلم الناطق إلى المسرح تنقل عنه فأصبحت الأفلام تمتلئ بالثرثرة، كما كثرت الأفلام التي تمتلئ بالأغاني والموسيقى بمناسبة ومن دون مناسبة، فقد كان سحر الاختراع مبهرا كونه قد أتاح للمرة الأولى في تاريخ الفنون، عرض أعمال درامية وموسيقية نشاهد فيها ممثلين “طبيعيين” من البشر، في أماكن طبيعية، يتحدثون ويتناقشون ويتشاجرون بأصوات طبيعية.

وقد أصبح الفيلم الذي يطبع على شرائط السليولويد، ويعرض في الآلاف من دور العرض في وقت واحد، سلعة فنية واسعة الانتشار مثل الأسطوانة الموسيقية التي نقلت الفنون من مجال النخبوية إلى الإنتاج بالجملة. ومع نضج السينما وتجاوزها مرحلة المراهقة أصبح لدينا فن عظيم مكتمل، وأصبح فنان الفيلم يولي اهتماما كبيرا للصوت، لكن في تناغم تام مع الصورة، فالصوت ليس الحوار فقط، بل يشمل أيضا المؤثرات الصوتية والموسيقى وأصوات الطبيعة.

غودار معروف باستخدامه الخاص للصوت في مستويات مُتعدّدة، وفي أفلامه يكثر الحوار، ولكن دون إغفال أهمية الصورة، ويظل الفيلم يتمتّع بسينمائية عالية

أما الاهتمام بالصورة، فهو يتمثّل في اهتمام فنان الفيلم بالتكوين واختيار الزوايا المناسبة للتصوير، وتوزيع الإضاءة بطريقة فنية تعبيرية تضفي رونقا ما على الصورة أو إحساسا دراميا معيّنا، كما يتبدى في حركة الكاميرا، وكلها عناصر تدخل فيما يعرف بالـ“الميزونسين” حسب تعريف الناقد والمنظّر الفرنسي الكبير أندريه بازان الذي اعتبر الميزونسين أساس لغة الفيلم، في حين رفع أيزنشتاين وبودوفكين من شأن المونتاج، وأوضحا كيف يمكن أن يستخدم في التلاعب بالمادة المصوّرة لإعطاء المتفرج انطباعات وأحاسيس ومشاعر معينة تتّفق مع ما يريده المخرج الذي يجب أن يعمل المونتير تحت إدارته، على العكس من النظام الأميركي الذي كان عمل المخرج ينتهي بعد أن ينتهي التصوير، ثم يسند المنتج استكمال الفيلم من خلال المونتاج وغيره، إلى تقنيين مُتخصّصين، ولكن تحت إشراف المنتج الذي أصبح المتحكّم الأول في الفيلم في عصر هيمنة أستوديوهات هوليوود الكبرى التي استمرت حتى منتصف الستينات تقريبا.

وقد انتهى عصر الأستوديو بعد ظهور “جيل التلفزيون” في هوليوود، أي الجيل الذي جاء إلى السينما من العمل في التلفزيون، ومن أشهر مخرجيه آرثر بن صاحب “ميكي الأول” و“بوني وكلايد”، وروبرت ألتمان مخرج “ماش” و“ناشفيل” و“الوداع الطويل”، وبوب رافلسون الذي قدّم “5 مقطوعات سهلة” و“ساعي البريد يدق دائما مرتين”، وجون فرانكنهايمر مبدع “الرفيق المنشور”، “7 أيام من مايو” و“القطار”.

وبعد جيل التلفزيون ظهر جيل سبيلبرغ وجورج لوكاس وفرنسيس فورد كوبولا وسكورسيزي، وقد دعّم هؤلاء وقاموا بتطوير الفيلم الأميركي لينافس الفيلم الأوروبي من حيث اهتمامه الكبير بالصورة والصوت، ولعل من أكثر السينمائيين في العالم الذين يستخدمون الصوت والصورة بشكل خلاّق، المخرج الفرنسي جان لوك غودار، أحد أعلام الموجة الجديدة الفرنسية التي ظهرت في أواخر الخمسينات.

وغودار معروف باستخدامه الخاص للصوت في مستويات مُتعدّدة، وفي أفلامه يكثر الحوار، ولكن دون إغفال أهمية الصورة، ويظل الفيلم يتمتّع بسينمائية عالية، وغودار خير من يحقّق تلك العلاقة الجدلية المتشعبة والمتواصلة بين الصوت والصورة.

16