من يقرأ الكلاسيكيات؟

"الموضات" الثقافية الموسمية التي تتبدّل كل بضعة عقود تتقزم ولا تنجح في تقمص دور الأستذة المترفّعة إزاء هذه الخبرات الكلاسيكية المُعتّقة.
Wednesday 2018/03/14
ملحمة كلكامش من الكلاسيكيات الفريدة في التراث العربي

مازالت الكلاسيكيات الفلسفية والأدبية الإغريقية، وخاصة المحاورات الأفلاطونية والملاحم الإغريقية والمسرحيات، إلى جانب الكلاسيكيات التي سادت عصر النهضة الأوروبية تشهد قراءات متواصلة على مر الأعوام، وما زالت الطبعات الحديثة من هذه الكلاسيكيات تتوالى سنة بعد أخرى، ومنها: محاورات أفلاطون وجمهوريته الفلسفية، أخلاقيات سبينوزا، المسرحيات الشكسبيرية، مصنّفات (كانط) الفلسفية، مونادولوجيا لايبنتز، الملاحم النوردية والهندية، مؤلّفات جون ستيوارت مل، ماركس ورأسماله الشهير، الخ…

لم تتراجع حمّى قراءة هذه المصنّفات في كل العصور، ولم تستطع الحداثة أو ما بعد الحداثة أو ما بعد الحقيقة، بكلّ تجلياتها العلمية والفلسفية، أن تقف بوجه هذه القراءات أو أي ذريعة وظّفها مُناصرو هذه التوجّهات الثقافية للدعوة إلى نبذ قراءة الكلاسيكيات واعتبارها تراثا ماضويا لا يصلح سوى للإحالة إلى قائمة الموجودات الثقافية المتحفية.

ثمة الكثير من الأسباب التي تقف وراء استمرارية التأثير الثقافي لتلك الكلاسيكيات ورواج مقروئيتها في كلّ العصور، فهي تمثل عصارة الروح الإنسانية المكنوزة والمكتوبة، لأنها تتناول الخصائص والمكابدات الإنسانية التي تتسامى فوق حواجز الزمان والمكان بسبب حيازتها لسمات عصية على التقادم الزمني والمحليات الجغرافية والفروقات العرقية والإثنية مثل سمات: الحب والكراهية، التعطش للمعرفة، مساءلة الحتميات الوجودية مثل الشيخوخة والموت والفناء، استنطاق إمكانيات الخلود، إلخ…

لم تتراجع حمّى قراءة هذه المصنّفات في كل العصور، ولم تستطع الحداثة أو ما بعد الحداثة أو ما بعد الحقيقة، بكلّ تجلياتها العلمية والفلسفية، أن تقف بوجه هذه القراءات

وعليه فإنّ “الموضات” الثقافية الموسمية التي تتبدّل كل بضعة عقود تتقزم ولا تنجح في تقمص دور الأستذة المترفّعة إزاء هذه الخبرات الكلاسيكية المُعتّقة، وتبدو غير قادرة على إبعادها من مشهد الثقافة العالمية أو الإدّعاء بموتها مثلما اخترعت فكرة موت الرواية أو موت المؤلّف أو سواها من الميتات المُخترعة.

تلعب المناهج الدراسية الأوروبية دورا عظيم الأهمية في الحفاظ على وهج الكلاسيكيات الثقافية؛ إذ ما زالت تلك المناهج تولي اهتماما كبيرا لدراسة تلك الكلاسيكيات في جميع المراحل الدراسية، ولا ننس دور اللغة اللاتينية التي تعدّ مادة إجبارية في المدارس الأوروبية، وتساهم هذه اللغة في إثراء الذخيرة الثقافية والحضارية لدى الطلبة لأنها تتيح الفرصة أمامهم لقراءة النصوص الكلاسيكية بلغتها الأصلية من جهة، ولأنّ اللغة اللاتينية تفتح الباب مشرعا لدراسة كثرة من اللغات الأخرى (مثل الألمانية والفرنسية وعائلة اللغات الإسكندنافية) بسهولة فائقة.

إنه لأمر مؤسف ألا تلقى بعض الكلاسيكيات الفريدة في تراثنا العربي الاهتمام ذاته الذي تلقاه الكلاسيكيات الغربية، وممّا يؤلم أشدّ الألم أن تنشأ أجيالنا الجديدة وهي مسلوبة بالعماء التقني ونكران النصوص العظمى كملحمة كلكامش وقصيدة الخليقة والنصوص الرافدينية الساخرة ونصوص الحبّ والعشق السومرية، التي تنضح جمالا ونضارة، وأعمال الكندي والتوحيدي والجاحظ والمعتزلة والمتصوفة، الذين يمثلون قلب العقلانية وروحها في الثقافة العربية.

ويبدو لي أن أسباب هذا التجاهل كثيرة، منها: اصطناع الحداثة الكذوب، والنفور من المجاهدة في قراءة المصنّفات العميقة والاصطبار على استخلاص نفائسها، والانصراف عن التلذّذ بجماليات اللغة العربية وخفاياها الساحرة المضمرة والمعلنة، وتراجع دور المناهج الدراسية وتخلفها العام وإهمالها الكشف عن الدُّرر المخبوءة في تراثنا العربي. متى تلتفت أجيالنا المعاصرة وتولي بعض اهتماماتها المشتتة نحو كلاسيكياتنا العربية كأعمال التوحيدي وعبدالجبار النفري وابن حزم، ولو فعلت حقا، فسنعيد الاعتبار لكنوز تراثنا المضيئة ونقف على عتبة التطوّر والارتقاء الثقافي كما فعل الأوربيون، ومازالوا يفعلون، مع عظماء مبدعيهم ومفكريهم.

14
مقالات ذات صلة