April 17, 2018

المسموع والمقروء عند العرب

ظاهرة شيوع الكتب الصوتية في الآداب الحديثة من روايات وقصص وحتى الشعر، بدأت بالانتشار هذه الأيام بشكل سريع ولافت، ولتلك الطريقة الحديثة جمهورها من السميعة.
ظاهرة تناسبنا كعرب

يحكى أن الشاعر الجاهلي أعشى قيس كان يعيش فذا في حياته، متمردا على قيم القبيلة في شعره، بفصاحة وبلاغة قل نظيرهما، بالرغم من شح بصره، وكفاف عيشه، بل كان أقرب للعمى منه إلى النظر، ماجنا، ساخطا، متمردا، معاقرا للخمرة التي تمده في جزالة قول الشعر. وهو الشاعر الذي لا يدانيه أحد من معظم شعراء العرب في الجاهلية في شيوع شعره في مواسم المربد.

ويحكى أيضا أن عجوزا ثرية لديها من الإبل والثروة ما لا يضاهيها من أعراب قومها آنذاك في ثروتها. لدى هذه الأعرابية ثلاث فتيات قبيحات. لم يقرب إليهن أحد من قومها للزواج، حتى دخلن في سن العنوسة مجبرات.

رسمت العجوز الثرية خطة محكمة لزواج بناتها، عندما بعثت بطلب إلى الشاعر الكفيف الأعشى، وطلبت منه أن ينظم قصيدة غزل بحق جمال ابنتها الكبرى، ظنا منها أن يقول واحدة عصماء سيتداولها العرب في باب الغزل، من دون أن يرى قبحها، مقابل أن تهديه جملا محملا بالخمور المعتقة، على أن يلقي قصيدته عن ابنة العجوز واصفا جمالها في أقرب مربد للشعر.

وافق الأعشى على الصفقة مصطحبا البعير بحمولة من دنان الخمر معه كعربون لتلك القصيدة، حتى قال في البنت قصيدة غزلية واصفا حسن جمالها ورشاقتها وشعرها وحسن طلتها. تناقلتها العرب من أذن إلى أذن حتى حفظوها عن ظهر قلب في جمال البنت الموهوم، بل باتوا يرددون أبيات القصيدة كلها في جلسات المضارب، حتى ذهبت منهم جماعة لخطبة البنت من أمها. تزوجت البنت الكبرى من أعرابي هام بها من دون أن يراها، وكل ذخيرته هي الأبيات التي صاغها الأعشى بحقها ولم يهمه رؤيتها وجها لوجه.

فرحت العجوز الأعرابية بتلك الصفقة، بل طمعت بعقد صفقة ثانية مع الأعشى للبنت الوسطى. أيضا تم الأمر وفق شيوع القصيدة عند القبائل، حتى تم تزويج البنت الوسطى بالطريقة ذاتها، بالرغم من أن الأعشى طلب جملين محملين بالخمور بدل الواحد.

تزوجت الوسطى على طرب السماع من دون أن تتدخل العين في المشاهدة، ثم الثالثة الصغرى أيضا تزوجت بعد أن تقدم لها أعرابي يهوى سماع شعر الأعشى من شباب القبائل وهو يردد أبياتا من جمال البنت الصغرى وسحرها.

ذهبت العجوز الأعرابية في زيارة خاصة إلى الأعشى لتشكره على جميله هذا، فقالت: كيف حدث هذا؟ قال لها الأعشى جملة خالدة لا تُنسى “إن العرب يحبون أن يسمعوا في الأذن ثم يصدقون ما يقال، أكثر من أن يصدقوا ما تراه أعينهم”.

ذلك الأمر يعكس حقيقة ما نحن بصدده في زمن ما بعد الحداثة، فالمسموع من الكتب الصوتية سيكون له تأثير عظيم على الأذن أكثر من العين وفق نظرية الأعشى.

إن ظاهرة شيوع الكتب الصوتية في الآداب الحديثة من روايات وقصص وحتى الشعر، بدأت بالانتشار هذه الأيام بشكل سريع ولافت، ولتلك الطريقة الحديثة جمهورها من السميعة، يكاد يتزايد كل يوم على حساب قراء العين والسطور. والمستقبل القريب سيحدث نقلة نوعية في الأدب المسموع، وستنتشر ظاهرة الحكواتي الإلكتروني من جديد وبحلة جديدة، متسلحا برخامة الصوت والتلوين الطربي في الإلقاء والنطق السليم.

وقد انتشر الكتاب الصوتي في الغرب ويتم تحميله على أجهزة المحمول بكل يسر ليرافق السامع المثقف في القطار والطائرة والعمل. الظاهرة التي تناسبنا كعرب لو تصالحنا مع الحداثة وما بعدها، من دون عُقد تذكر. ولنا من تاريخ السماع وسطوته باع طويل في جماليات السماع النغمي للسرديات والشعر على حد السواء.

الأذن لها سلطان الانصياع إذا ما توفر لها الفضاء مقاربا مع التقانات العالمية التي تتيح حسن السماع والإنصات والتفكير بالمنجز، ولم يتعارض مطلقا مع طقس القراءة بالعين المجردة. أما العين فلا خوف عليها مطلقا، وتبقى مهمتها على التحالف المسبق مع جمال الطبيعة ومشاهدة القمر والنجوم لتكتمل لوحة الجمال، وتبقى للأذن مهمتها الروحية في النهل من الزاد المعرفي والعاطفي مستقبلا.

14