April 17, 2018

من الراديو إلى صانعي الأخبار

واقع جديد يقدم مقاربة مختلفة لوظيفة وسائل الإعلام سواء أكانت تابعة أم قائدة، إذ لم يعد هنالك ذلك الجمهور المحتشد حول الراديو أو التلفزيون يستمع بإصغاء وقلق لما سيقوله مذيع البيان الأول.
غاب الراديو وحضرت مواقع التواصل الاجتماعي

في الأحداث الكبرى التي شهدها العالم وخاصة الحروب والصراعات التي غيّرت مسار الحياة على سطح الكوكب كان البيان الأول هو الذي يدير الرؤوس ويقلب الموازين.

كانت نقطة البداية هي ما يسمى “خطاب إلى الأمة ” ذلك الذي يحبس الأنفاس وترتعد له القلوب.

في يوم ما لم يكن هنالك سوى الراديو، وكان هو بمثابة نظام الستلايت والبث التلفزيوني الفضائي والتواصل الاجتماعي التفاعلي وغيرها من المصطلحات وتطورات تكنولوجيا الاتصال التي نعيش فصولها اليوم.

كان الراديو ركنا أساسيا من الحياة ومن خلاله كان الناس يتخيلون ما جرى وما سيجري فيما بعد البيان الأول.

التسجيلات التي تحوّلت إلى صور والتي تعود إلى حقبة إعلان الحرب العالمية الثانية وإنزال النورماندي واندحار الهتلرية وقنبلة هيروشيما واغتيال كنيدي وغيرها تقدّم لنا صورة أحاديّة الجانب للحدث، مسارا خطّيا يبدأ من بيان إلى الأمة وينتهي عند صانعي الأخبار وهم ثلّة غير منظورة لأنهم خلف المذياع لا تُعرَف أشكالهم ولا من هم.

في يوم ما، على صعيد العالم العربي ابتداءً من ثلاثينات القرن الماضي عاش جمهور عريض على فكرة الراديو وصانعي الأخبار، ويومها قدّم المونولوجيست العراقي الشهير الراحل عزيز علي مونولوجه الشهير الراديو.

كان عزيز علي يتغنى بالراديو على أنه معجزة وكان الجيل الذي عاش تلك الحقبة يصغي غالبا لإذاعة “لندة” ويقصد بها لدى سواد عظيم من المستمعين البسطاء راديو لندن أو هيئة الإذاعة البريطانية وعربيا ستحتل إذاعة صوت العرب في الستينات والسبعينات مساحة عظيمة.

والحاصل أن صانعي الأخبار كانوا يتخذون ذلك المسار الخطي تعبيرا عن البيان الأول وانتهاءً به لا يحيدون عنه، فهم يعلمون السر ويذيعونه.

اليوم ونحن نعيش وقائع التهديد والوعيد بين القوتين العظميين (الولايات المتحدة وروسيا) وهما بصدد الصراع في سوريا، كنا ننتظر البيان الأول وخاصة بعد إعلان الرئيس الأميركي أنه “سوف يضرب”، لكن أين هو صانع الخبر الذي يعلم السر وحده ويذيعه؟

واقعيا غاب صانع الخبر الذي كان بشكل شبه تام، بمعنى أنه لم يقتف أثر احتمالات الضربة والمواجهة بين القوتين النوويتين، بل إن هنالك من صانعي الأخبار من قالوا إنها مجرد حرب نفسية ولن يكون هنالك صراع أميركي – روسي قد يقود إلى حرب كارثية شاملة، وبذلك تعدّد صانعو الخبر.

روسيا التي سبق وأعلنت أنها سوف تسقط القاصفات والصواريخ التي سوف تضرب سوريا لم تفعل شيئا على أرض الواقع، صانعو الأخبار الذين كانوا يحذرون من المواجهة أكثر من زعيمي روسيا وأميركا غابوا عن المشهد وصارت هنالك حشود من صانعي الأخبار الذين لكل منهم قراءته الخاصة لما يجري وبذلك تبددت أسطورة البيان الأول بل لم يبق لها أثر في ظل تشرذم صانعي الأخبار وتنوع وجهات نظرهم.

خلال ذلك صار صوت الطرف الثاني مسموعا وصرت تقرأ في وسائل التواصل الاجتماعي ما يمكن أن نسميه مجتمع صانعي أخبار تلقائيا وعفويا من خلال قراءات الجمهور لما يجري من أحداث.

هذا الواقع الذي نعيشه اليوم صارت فيه قصة البيان رقم واحد قصة من الماضي وشاهدا على ما طرأ على وسائل الإعلام والصحافة من تطورات هائلة.

الحاصل أنه واقع جديد يقدم مقاربة مختلفة لوظيفة وسائل الإعلام سواء أكانت تابعة أم قائدة، إذ لم يعد هنالك ذلك الجمهور المحتشد حول الراديو أو التلفزيون يستمع بإصغاء وقلق لما سيقوله مذيع البيان الأول بينما كاتب البيان نفسه يتوعد وينبّه إلى المزيد من البيانات لأنه يعلم ما لا يعلمه الجمهور العريض المستسلم لقدره ولا حول له ولا قوة.

18