قضية رأي عام!

في انتظار حصول معجزة تقلب الموازين سيظل عدد كبير من الأبناء سجناء جدران صماء شاهدة على معاناتهم من قهر الطلاق أو غياب أولياء الأمور بسبب الموت أو السفر أو الانفصال.
Tuesday 2018/04/17
ضحية اللامبالاة

أعطى العم مارك زوكربيرغ منصة مجانية للمجتمعات العربية العاشقة لافتعال بلبلة أمام كل عارض مهما كانت درجة أهميته أو تفاهته على حد السواء، للانتقال بهذا العشق من الواقع إلى العالم الافتراضي، فأضحت بالتالي مشكلة أي فرد من الأفراد تهم رهطا من الجمهور العريض للفيسبوك، وتتبناها كل قنوات البث المنتشرة في هذا الموقع الاجتماعي. ليس هذا فحسب بل إن القضية تصبح قضية رأي عام! وكل من وجد في نفسه القدرة على إبداء الرأي من نصح وإرشاد أو شتم وقذف أو إعطاء فتاوى ومواعظ، فإنه لا يبخل بذلك ويسارع إلى كتابة تعليقه واثقا من سداد رأيه وعظيم حكمته.

وهكذا طالعتني وتطالعني منذ أواخر الأسبوع الماضي وإلى حد هذه الساعة قصة الجدة الجلادة وابن ابنها الضحية، حتى خلتني دخلت سهوا إلى أروقة المحاكم بدل الدخول إلى حسابي الخاص بفيسبوك، وصرت أخمن أن كامل سكان تونس من شرقها إلى غربها من القاطنين على ترابها أو المهاجرين بديار الغرب البعيدة، شاركوا الأمنيين البت في القضية بل وانتقدوا وشككوا في سير مجريات التحقيق، وأصبغوا العجوز بأصباغ من الدعاء وكالوا لها ألوانا من الشتائم.

ووسط هذه المعمعة المُدينة للحماة البغيضة وقع التنكيل والتشهير بكل من سولت له نفسه الدفاع عنها أو اعتبار تصرفها من باب تأديب حفيدها الصغير، ولم يفكر أي منهم في النظر إلى الأمر من زوايا متعددة، واكتفوا بما راج من أخبار ببعض المواقع الإلكترونية لينصبوا أنفسهم قضاة مخولين وشيوخا متمرسين لإعطاء الرأي الفصل.

وسمحوا للقصة أن تحلق بعيدا مع هبات الرياح العاتية المقبلة من جهة صائدي الأخبار من كافة أنحاء العالم لنشر غسيل الآخرين على صفحاتها، حيث بات الفيديو الذي صورته يد طفل صغير مرتعشة خوفا وقهرا على أخيه الذي يصغره سنا ليقدمه وفق ما انتشر من أخبار لوالدتهما المنفصلة عن والدهما تاركة حق الحضانة له ولأمه، كدليل إدانة على تعنيف الجدة المستمر لهما.

وأظهر مقطع الفيديو الصغير باكيا مستجديا عطف جدة تضربه تارة بالعصا وطورا تقوم بحرقه في جسده بسكين ساخنة بعد تجريده من ملابسه.

استحسن عدد كبير من النشطاء تدخل مندوب حماية الطفولة للنظر في الواقعة، لا سيما مع انتشار أنباء عن إخلاء سبيل الجدة الذي قُوبل باستنكار كبير، وانتهى الأمر على ما يبدو باسترجاع الأم لابنيها مع تشديد من أصحاب القلوب المرهفة على الأم أن تستغل فرصة عودة ابنيها إلى حضنها أحسن استغلال وتحسن معاملتهما.

ولكن وعلى الرغم من توثيق هذه الحالة التي تعد مثالا حيا عن العديد من الحالات المسكوت عنها بين جنبات الكثير من العوائل، فإن هذا لا ينفي البون الشاسع بين المجتمعات العربية ونظيرتها الغربية، بل ويعمق الفجوة بين الطرفين، فبقطع النظر عن دوافع الجدة إن كانت تأديبية أو تحمل بغيضة لطليقة ابنها، فليست هذه مشكلة في حد ذاتها لأنها غير مجبرة على تحمل أعباء تربية طفلين لم يتحمل مسؤوليتهما من كانا سببا في وجودهما في رحاب هذه الحياة.

وبهذا الشكل لا أعطي الحق للجدة ولا أرمي باللوم أيضا على الوالدين وإنما كامل المنظومة الأسرية ساهمت في تغذية هذا العنف المسلط على ابنين استحال عيشهما بين والديهما.

ذكرتني القصة بفيلم أجنبي كنت شاهدته منذ فترة طويلة حتى غاب عن ذهني الاسم والبعض من أحداثه، لكنه يقدم، بقالب كوميدي لا يبعث على الملل وفي نفس الوقت يمرر رسالة تؤكد على ضرورة أن ينشأ الأطفال داخل بيئة أسرية متوازنة، صورة واضحة عن كيفية تعامل الغرب مع الأطفال.

وقد ركز الفيلم على معاناة أب معتوه في استرجاع حق حضانة ابنته بعد وفاة زوجته، إذ قضت المحكمة بحق الحضانة لعائلة قامت بتبني الصغيرة، وأرجعت الهيئة القضائية الناطقة بنص الحكم سبب ذلك إلى حالة الأب الصحية وغياب الأم، على الرغم من استماتة الطفلة للعودة إلى حضن والدها البيولوجي وهربها المستمر من منزل والديها بالتبني.

وبكل ما بالفيلم من مشاهد طريفة فإن التعاطف مع الأب والابنة كان السمة الطاغية على أحداثه وحبكته، عادت الطفلة في النهاية للأب لكنهما لن يغيبا عن أنظار حكومة نصبت نفسها ملاذا آمنا للصغيرة كلما اقتضى الأمر ذلك.

وفي المقابل الفيلم العربي لا يزال يشكو سوء إخراج وتمثيل ناهيك عن التقنيات المعتمدة في التصوير والبث مع غياب مشاهد حقيقي للأحداث، وفي انتظار حصول معجزة تقلب الموازين سيظل عدد كبير من الأبناء سجناء جدران صماء شاهدة على معاناتهم من قهر الطلاق أو غياب أولياء الأمور بسبب الموت أو السفر أو الانفصال، وملاذهم الوحيد إن وجد جدة أو جد طاعن في السن يأويانهم.

21