مترجمة ألمانية تحاول تصحيح نظرة الغرب للأدب العربي

المترجمة ساندرا هتزل تؤمن بأن الترجمة الجيدة هي نص أدبي جديد. يجب أن تنسى عند قراءته أنه كان مكتوبا بلغة أخرى في الأصل.
Wednesday 2018/07/25
الترجمة الجيدة هي نص أدبي جديد

خلّفت نظرة المستشرقين إلى العرب الكثير من الأكاذيب والتنميط، خاصة في ما يتعلق بالأدب والثقافة العربيين اللذين يجهلهما أغلب الغربيين لكنهم يصدرون بشأنهما أحكاما مسبقة، بأنهما خارج التاريخ، رغم عدم اطلاعهم عليهما. “العرب” كان لها هذا الحوار مع المترجمة الألمانية ساندرا هتزل التي تحاول ترجمة الأدب العربي إلى الألمانية تصحيحا لأخطاء المستشرقين والنظرة السائدة والمغلوطة تجاه العرب.

 ساندرا هتزل مترجمة ألمانية، تتحدث العربية بلكنة سورية. مهتمة بترجمة الأدب العربي المعاصر، الأدب الذي يحاول أن يكون منصفا لعالمنا بحسب قولها. وقد أسست هتزل مشروعها 10/11، الذي هو عبارة عن “لوبي أدبي” يدعم انتشار الأدب العربي الحديث. ويضم عددا من المترجمين والوكلاء وناشرين وناشطين ثقافيين. هؤلاء يعملون على إنشاء وكالة أدبية تنشط في أوروبا وأميركا.

القارئ الأجنبي

تنطلق المترجمة ساندرا هتزل في اهتمامها بترجمة النصوص العربية إلى الألمانية من زاوية يمكن تسميتها الغضب، أو أن هناك شيئا ما ليس على ما يرام إطلاقا. فعلى مسافة رمي حجر عبر المتوسط، جنوبا أو شرقا، هناك الكثير مما يُكتب ويفكّر ويُعمل من الأشياء الممتعة والرائعة، كما تقول، مضيفة “الصورة السائدة عن تلك المنطقة في أوروبا هي أنها تمثل الآخر الكلي، ‘غير المتحضر’ و’قبل تاريخي’، على الأقل فكريا. الآن وبمجرّد أنني كتبت هذه الكلمات تولدت لديّ رغبة عارمة بأن أترجم المزيد، هكذا باختصار، ومع الوقت أصبحت هذه مهنتي”.

تؤمن هتزل بأن الترجمة الجيدة هي نص أدبي جديد. يجب أن تنسى عند قراءته أنه كان مكتوبا بلغة أخرى في الأصل. تقول “قد يبدو من كلامي هذا أنني أؤمن بأن الترجمة الجيدة تعني أن تحتال على القارئ، وقد يكون الأمر كذلك فعلا. بالنسبة إليّ، ما يجعل الترجمة جيدة هو محاولة المترجم أن يخلق علاقة بين القارئ والكلمة والجملة والنص، تشبه علاقة القارئ بلغة الأصل. هذا الأمر يتجاوز الترجمة الحرفية تجاوزا تاما”.

تقول المترجمة ساندرا هتزل “إحصائيا تتوزع الأنواع الأدبية في السوق الأوروبي من ناحية الانتشار على النحو الآتي: الرواية في المرتبة الأولى، تليها المجموعات القصصية ثم يأتي الشعر،غير أن نجاح أي كتاب لا يتعلق بالنوع الأدبي بل بمواصفات الكتاب الفردية”.

وتضيف “بشكل عام يمكن القول في ما يخص الأدب العربي، هناك غياب لشبكة مرجعيات ومعرفة عند القارئ والناقد والناشر الأوروبي به، هناك فراغ معرفي بدءا من المواضيع، مرورا بالأجناس الأدبية والتاريخ الأدبي الخاص بالمنطقة، بأسمائه وكتبه. وبوجود فراغ معرفي كهذا كثيرا ما تتحكم الصور النمطية و’القيمة الإخبارية’ في العمل الأدبي”.

كل كتاب تُرجم من العربية ونُشر يساهم في انتشار الكتاب العربي
كل كتاب تُرجم من العربية ونُشر يساهم في انتشار الكتاب العربي

وتتابع المترجمة “بالإضافة إلى ذلك هناك نقطة أخرى قد تبدو بديهية لكنها تشكل مأزقا حقيقيا في طريق نشر أي نص أدبي، حيث يجب ترجمة النص بداية، فأي ناشر، لنقل ألماني، لن يستطيع اتخاذ القرار إذا كان راغبا بنشر كتاب عربي إلا بعد أن تتم ترجمة على الأقل أجزاء من هذا الكتاب. وكل دار كبيرة في ألمانيا تمتلك موظفين مختصين باللغات الأكثر تداولا في أوروبا، أو على الأقل لهم معرفة بها. ولا ينسحب هذا الحال على الأدب العربي، وبالتالي كل شيء يتعلق بالمترجم حتى الاختيار الأول، الذي لا يتجزأ عن التساؤل لدى المترجم إذا كان بإمكانه أن يستثمر الكثير من الوقت والجهد والعمل غير مدفوع بكتاب، لا يعرف إذ كان سيعجب الناشر أم لا. هذه الإشكالية طبعا تخص ليس فقط الأدب العربي، وإنما أغلب الأدب الأجنبي”.

أدب مغمور

تشير هتزل إلى أنه بعد الثورات العربية تغيّرت نظرة عالم الثقافة والفنون الأوروبية تجاه العالم شرق وجنوب المتوسط بشكل إيجابي، وكأنه أصبح هناك وعي أكبر بالفرد العربي، ذاك الذي ناضل من أجل حقوقه ودفع ثمنا غاليا جدا. أثر هذا الشيء إيجابيا على اهتمام المؤسسات الثقافية الدولية – ومنها الألمانية- بالإنتاج الثقافي العربي.

السبب الثاني والأقل نبلا لزيادة الطلب على الترجمات من العربي في ألمانيا، الاهتمام الممزوج بالقلق من أعداد اللاجئين الذين وصلوا إلى ألمانيا، حيث يدور هذا الاهتمام حول سؤال ‘من هم هؤلاء اللاجئين؟’. وهو أمر سيء جدا أن تختصر أعمالا أدبية بالجواب على هذا السؤال”. هنا أريد أن أقتبس مقطعا عن دراسة من سنة 2011 أجرتها مترجمة الأدب العربي البريطانية أليس غوثري بدعم من مؤسسة “Lit Across Frontiers“.

توضح المترجمة أن معيارها الأهم في اختيار ما تترجم هو ذوقها الشخصي كقارئة وانطلاقا من قناعاتها الشخصية، كالموقف السياسي مثلا. مستطردة “هذا يعني أن معاييري ذاتية إلى حد كبير. وبرأيي لا يمكن أن يكون الأمر مختلفا، فإن هذا أصدق معيار. خصوصا لأن الأدب فن، والمترجم الأدبي فنان. والفنان ليس عليه واجب الحيادية، كما هو مثلا واجب العالم الأنثروبولوجي الذي يحتّم عمله أن ينصف بموضوعية كاملة. إن قرار ترجمة كتاب ما يعني أيضا صدى لمشاريع كتب أخرى”.

وبحسب هتزل هي تحاول دائما أن تخلق علاقة بين القارئ والنص/الجملة/الكلمة شبيهة بتلك التي يبنيها النص الأصلي مع قرائه. وتستشهد مثلا بنصوص الكاتبة السورية رشا عباس، حيث يتلون الجو أحيانا من صفحة إلى صفحة، كأن يتحول فجأة صوت الراوي من طريقة جافة، دنيوية ومعاصرة إلى دمدمة غامقة ذات طابع إنجيلي أو قرآني. أو مثلا شخصية ما لديها طريقة ريفية وبسيطة في الكلام، بينما أخرى عندها لهجة مدينية. في النهاية على القارئ الألماني أن يختبر ذلك مثل القارئ العربي، كما تقول المترجمة.

وعن مدى مساهمة هذه الترجمات في التعريف بالكتاب العربي، تقول هتزل “يمكن أن نقول إن كل كتاب تُرجم من العربية ونُشر يساهم في انتشار الكتاب العربي، لأنه يضيف قطعة بازل ناقصة إلى الفراغ المعرفي الذي ذكرته من قبل. من أصل الكتب السبعة التي قمت بترجمتها إلى حد اليوم، واحد فقط كان بتكليف من ناشر، الكتب الستة الباقية بحثت عن دار نشر أحيانا لمدة طويلة وأحيانا اضطررت إلى البحث عن التمويل المطلوب لإنتاج الكتاب. حيث أبذل جهدي كي لا تقدم الكتب من خلال ما أسمّيه بـ’زاوية المستشرقين’، وإنما أحب أن يعرض على نفس منصات الأدب الألماني المعاصر”.

وتتابع المترجمة “تنظر دور النشر الغربية إلى الأدب العربي على أنه أدب مغمور وغير ناضج. ربما كنت محظوظة. من جهة أخرى، عندما أتواصل مع دار نشر أو حتى عندما أختار كتابا ما، أتحسّب للآراء السائدة عن الأدب العربي بأنه خارج التاريخ، تقليدي جدا، رومانسي، ‘إكزوتيك’، وصعب بالنسبة إلى القارئ غير المختص أن يبني معه علاقة.. إلخ، وأنا أواجه دور النشر وجمهور الأدب عموما بطريقة عملية لا تترك لديهم أي مجال لهذا النوع من الأفكار”.

15