الاكتئاب السياسي

"عندما ترى شعبا سعيدا مزدهرا، فاعلم أن خلفه نظاما سياسيا عادلا، وعندما ترى شعبا مكسورا مذلولا، فاعلم أن نظاما قمعيا يقبع على صدره".
Thursday 2019/04/18
نظرة تشاؤمية أصبحت سائدة في صفوف الشباب العربي

أثارت فيّ كلمات أحد الشبان التونسيين، الذي لم يتم قبوله في أحد الاختبارات الخاصة بالانضمام إلى سلك الشرطة رغم أنه حاصل على شهادة جامعية، الكثير من الحزن والأسى لمّا قص عليّ معاناته من البطالة حينما سألته حول أسباب النظرة التشاؤمية التي أصبحت سائدة في صفوف الشباب العربي.

أكثر ما آلم ذلك الشاب هو سبب الرفض الذي أشعره بالقهر وقلة الحيلة، وتمنى لو كان باستطاعته أن يغيّر عقارب ذلك الميزان الذي وصفه بـ”اللعين” لأنه أظهر للجنة المشرفة على الاختبار، أن كتلة جسده لا تتطابق مع المواصفات المطلوبة للنجاح في القبول.

بدا السبب بالنسبة إليه تافها جدا، ولم يتقبّل فكرة أن يتم رفضه لمجرد أن جسده ينقصه بضعة كيلوغرامات، وتحسر كثيرا لأن حلمه بالعمل ومساعدة والدته، التي أمضت سنوات عمرها في الحرمان والفاقة من أجل تربيته هو وإخوته وتدريسهم، حكمت عليه كفة ميزان “غير عادلة”، لا تدرك ولا تشعر أن والدته جاعت في أيام كثيرة من أجل أن تطعمهم، وليس بإمكانها أن تلام اليوم لأنه يعاني من نقص في النمو، فمن الملام إذن؟ في مثل هذه الحالة وما شابهها أغلبنا يصب جام غضبه على الفقر، رغم أن الفقر ليس قضاء وقدرا كما نظن، فهناك من الأسر من يعمل فيها الوالدان بكد، لكنهما غير قادرين مع ذلك على الوفاء بالمتطلّبات الأساسية للحياة.

وتكمُن المشكلة الأكبر في ان الفقر له علاقة مباشرة بالاكتئاب، وهناك أيضا رابط مباشر بين هذا الاضطراب النفسي والبطالة، وفق ما أشارت منظمة الصحة العالمية في أحد تقاريرها.

وقد نشرت وزارة الصحة التونسية في عام 2017 دراسة بشأن ظاهرة الاكتئاب، أشارت فيها إلى أن 8.2 بالمئة من مجموع المواطنين التونسيين يعانون من الاكتئاب، و35 بالمئة من المقبلين على العيادات بمراكز الرعاية الصحية الأساسية مصابون بهذا المرض النفسي.

ويصنّف الاكتئاب في المرتبة الثانية بين أكثر المسببات لحدوث الإعاقة في العالم، إلا أن تأثيره يختلف باختلاف الدول والمناطق على مستوى العالم. لكن من الواضح أن وراء معظم حالات الاكتئاب أوضاعا اقتصادية واجتماعية متردية، والسؤال الذي يطرح هو، من يقف خلف هذه الأوضاع المزرية التي تعاني منها معظم المجتمعات العربية؟

الجواب اختصره هذا القول الشائع “عندما ترى شعبا سعيدا مزدهرا، فاعلم أن خلفه نظاما سياسيا عادلا، وعندما ترى شعبا مكسورا مذلولا، فاعلم أن نظاما قمعيا يقبع على صدره”.

وقد أكدت دراسة سابقة أجرتها مؤسسة “بيرتلسمان” في مدينة غوترسلو الألمانية وشملت 129 دولة أن الديمقراطية تراجعت في الدول النامية والصاعدة بشكل أكبر مما كانت عليه قبل 12 عاما. ويعيش الآن 3.3 مليار إنسان في ظل حكم دكتاتوري.

غالبا ما يربط الحكم الدكتاتوري بنظامٍ استبدادي نشأ حول شخص ما أو حزب واحد أقام حكمه أو طغمة يقودها العسكر، وتتبلور طبائع السياسيين الدكتاتوريين في أشكال متعددة، وبإمكان العديد منا أن يلحظ أن بعض الشخصيات السياسية، في بلداننا العربية تحديدا تسيطر بشكل تام على كل شيء في الدولة، ومن الصعب على المحيطين به توجيه انتقادات إلى أفكاره وقراراته، وعليهم قبول كل ما يطرحه من أفكار، بل والثناء عليها والعمل بها كوصفة مقدسة، والأمثلة العامة على هؤلاء كثيرة.

يقول بروس بوينو دي مسكيتا، أستاذ العلوم السياسية بجامعة نيويورك “عندما تعتمد على دعم قلة قليلة من الناس للبقاء في السلطة، فإن الوسيلة الفعالة للحكم تكون عبر إحلال الفساد والرشوة والابتزاز، وانتزاع الأشياء بالقوة وما شابه ذلك. تستطيع أن تبقي على ولاء مجموعة صغيرة وذلك بأن تدفع لهم بإسراف”.

وهذا هو الاختبار الحقيقي الذي يجب أن يجرى لكل سياسي لاكتشاف خبايا النفوس المريضة، واستنادا إلى آراء الأكاديميين من أمثال بوينو دي مسكيتا لم تعد النوايا الحسنة للعمل بصدق كافية، ولذلك قبل أن تقول صناديق الاقتراع كلمتها، يجب أن ينظر الأطباء أيضا في مدى صلاحية هؤلاء السياسيين، ليتبيّن منهم المؤهل من المريض، وإني على يقين أن الأمراض الجسدية قابلة للشفاء، أما الأمراض النفسية، فإذا لم يتم تشخيصها ومعالجتها فإنها ستكون سبب الداء العضال الذي سيصيب الشعوب، وقد لا ينفع معه أي دواء بعد فوات الأوان.

21