تغطّوا جيداً!

تفتح حواراً مع أفراد أسرتك، فينصرفون عنك مشغولين بهواتفهم وألعابهم ومحادثاتهم الخافتة، لا تملك إلا اللجوء إلى غرفتك بحثاً عن نوم مغايرٍ لكوابيس الصباح والمساء.
Thursday 2019/04/18
كل شيء مُغطَّى لا يُكشَف

تفتح عينيك صباحاً، وبالكاد تغسل وجهك وتسرع بارتداء ملابسك لتلحق بموعد العمل، فتفاجأ بصوت “الحكومة” أم العيال يأتيك من أقصى أركان المطبخ بقائمة من الطلبات التي تقصم جيبك!

تفتح صحف الصباح -إذا كنت لا زلت تقتني إحداها- فلا تجد إلا أخبار الأمس بلا لون أو طعم أو رائحة.. أصدق ما فيها صفحة “وفيات” لا تكذب إلا على أحياء يبدو أن لا أحد يعترف بهم!

تفتح باب المنزل في إعياء بعد يوم عمل طويل، لتقفز بين الغرف كـ”القرد” صارخاً في الوجوه، داعياً لإغلاق مصابيح النور المضاءة عبثاً كي تتخلص من أعباء الفاتورة المرهقة!

تفتح التلفاز فتفقد أعصابك متنقلاً بـ”الريموت كنترول” بين القنوات هرباً من أخبار النكد ومشاهد الحروب والتظاهر والقتل وانقلاب الانقلاب ورفض النظام و”السلطة بيد الشعب”.. أي شعب!

تفتح قلبك للشارع مهرولاً فيه تبحث عن أي شيء تبتلع به -أو من خلالك-خيبتك، فيغلق الجميع كل الأضواء في آخر النفق بالحديث والشكوى من “الحكومة” والوزارة والرئيس والفقر والحياة و”اللي عايشينها”!

تفتح هاتفك لإسكات رنين محادثة تطلب “خدمة” غالباً، أو يتودد صاحبها إليك راجياً “سلفة” يقسم بأغلظ الأيمان بتسديد قيمة أنت أول من يعلم أنها ذهبت مع الريح ولن تعود أبداً!

تفتح حسابك على “فيسبوك” أو “تويتر” وسرعان ما تهرب من مناوشات كئيبة وحالة “تقيؤ” لفظي، وأخبار مجهولة ومجهلة للأسف باتت مرتعاً لأذرع إلكترونية تتناول ما فيها وتنقل فوضوياتها للأسف حتى لوسائل إعلام سقطت في اختباري المهنية والموضوعية!

تفتح حواراً مع أفراد أسرتك، فينصرفون عنك مشغولين بهواتفهم وألعابهم ومحادثاتهم الخافتة، لا تملك إلا اللجوء إلى غرفتك بحثاً عن نوم مغايرٍ لكوابيس الصباح والمساء.. ولا فائدة سوى أن تشد غطاءك الوحيد وفي سمعك ما قاله يوماً الزعيم المصري سعد زغلول يأساً: “مفيش فايدة.. يا صفية.. غطيني وصوَّتي” وهو أضعف الإيمان!

يحكي كتاب “كنز الدرر وجامع الغرر” لأبي بكر بن أيبك، أن حاكم مصر الحاكم بأمر الله الفاطمي، أصدر أمراً عجيباً.. ملخصه أن “كل شيء مُغطَّى لا يُكشَف”! وذات ليلة حدث أن رجلاً توجه وهو “سكران” إلى مكان ما، فرأى الشرطي في طريقه فخلع عمامته من على رأسه، ثم أسبلها على نفسه ونام  بجانب الطريق، ولما اقترب منه الشرطي ووكزه صارخا: من أنت؟ ردَّ المسكين من تحت العمامة: أنا شيء مُغطى! فانصرف الشرطي دون أن يقترب منه!

صباحكم “عرب”.. تغطوا وغطّوها جيداً!

24