الرسم يتدهور

لم يعد الرسام هو ذلك الشخص القادر على تصوير المرئيات من حوله بل صار ذلك الشخص الذي يتحايل من أجل ألا يقع في ذلك الفخ.
Monday 2020/08/03
للرسم لغته الخاصة

لماذا تدهور الرسم في العالم العربي؟ ليست الإجابة على ذلك السؤال صعبة. لقد تدهورت طرق التعليم وغاب معلمو الرسم الكبار بعد أن اختطفهم الموت.

لم تعد الشهادات العليا التي يحصل عليها بعض الطلاب الأكفاء قادرة على الدفع بجيل من معلمي الرسم الذين في إمكانهم أن يحافظوا على الحرفة. لقد ابتذلت الحرفة فصارت تُمارس في درجاتها الدنيا. لم يعد المعلم أفضل حالا من طلابه. تلك نتيجة مأساوية.

لو أن معاهد وكليات الرسم أغلقت لما ازداد الوضع سوءا. في وجودها فإننا نكون في مواجهة وضع استثنائي. خريجو تلك المعاهد والكليات هم رسامون فطريون لا يجيدون من الحرفة سوى ملامحها الخارجية.

لقد تم إفراغ المؤسسة التعليمية من محتواها الحقيقي منذ عقود. كما أن الحياة نفسها لم تعد منضبطة وصارمة بحيث تضع كل إنسان في المكان الذي يستحقه. وفي غمرة التحوّل الفوضوي الذي شهده الفن العالمي عبر العقود الماضية صار طلب الإتقان فائضا.

لم يعد الرسام هو ذلك الشخص القادر على تصوير المرئيات من حوله بل صار ذلك الشخص الذي يتحايل من أجل ألا يقع في ذلك الفخ.

أرجو أن لا يُفهم كلامي على أنه دعوة للعودة إلى الأسلوب التقليدي في الرسم، بل إنني أدعو إلى أن يكون الرسام متمكنا من أسس الرسم. كان بابلو بيكاسو واحدا من أكبر المخربين في تاريخ الرسم، غير أنه كان بين حين وآخر يثبت لنفسه وللآخرين أنه يرسم أفضل من رافائيل.

ينبغي أن يكون درس بيكاسو قائما في أذهاننا ونحن نرى تجارب رسامين صاروا يتفننون في استعمال المواد المختلفة كما لو أن أحدا لم يسبقهم إليها. وكما أرى فإن تعلم الرسم على أصوله ممكن إذا لم يختر الرسام المشي في الطريق الميسّرة وهي الطريق التي لا تهب شيئا مفاجئا أو سارا.

إذا أراد المرء أن يطوّر لغته ويسمّي من خلال اللعب بها الأشياء بأسماء جديدة فعليه أولا أن يتعلم أسس تلك اللغة. ما لم نبدأ بتلك الخطوة فإن الرسم في العالم العربي سيظل يتدهور.

16