GPS جهاز يحمي الإنسان من الضياع في أصقاع الأرض

الأحد 2015/05/24
ماجلان العصر الذي يأخذ بيدك في عالم مفتوح الخرائط

في العقود الماضية عندما كانت مجموعة من الأشخاص ترغب بالذهاب في رحلة استكشافية إلى مكان ما على الأرض، كان هؤلاء الأشخاص يستخدمون أحد أفراد المنطقة كدليل ليرشدهم إلى الطريق الصحيح هذا بالإضافة إلى استخدام البوصلة لتحديد الاتجاهات، ولكن ماذا لو فقد هذه الدليل واختفى؟ فكيف ستجد المجموعة الكشفية طريقها؟ لا بد أن الأمور ستصبح صعبة، ولو افترضنا أن شخصاً حصل على قارب بحري وانطلق في البحر ولكنه اكتشف فجأة أنه لا يعرف كيف يعود إلى نقطة البداية، بل يحتاج إلى من يرشده، ماذا لو كان مرشده ذاك هو مجموعة من الأقمار الصناعية التي تراقبه باستمرار؟

البنتاغون والطريق

كل ذلك يمكن أن يتلافاه الإنسان من خلال جهاز استقبال عُرف عالمياً باسم نظام تحديد الموقع على الأرض والمعروف باسم جهاز Global Positioning System أو المعروف باختصار GPS وهو نظام خرج من وزارة الدفاع الأميركية، وتقوم عليه معظم التطبيقات المدنية المعروفة.

نظام تحديد المواقع تشكّل في البداية من منظومة من 27 قمرا صناعيا تدور حول الكرة الأرضية، 24 قمرا صناعياً منها مستخدمة بينما تعد الأقمار الثلاثة الباقية احتياطية تعمل في حالة تعطل أيّ من الأقمار الرئيسية.

أنظمة استقبال المعلومات من هذا الجهاز تشبه أنظمة أجهزة الهاتف الجوال التي تستطيع تحديد موقعك بدقة في الأبعاد الثلاثة على سطح الأرض. ويكون هذا النظام فعّالا في حالة التواجد في الأماكن المكشوفة، فتستخدم في الرحلات الاستكشافية وفي الملاحة الجوية والبحرية وفي التطبيقات العسكرية والتطبيقات المدنية.

حرب الخليج

أنشئ نظام GPS أساسا أثناء الحرب الباردة لأغراض عسكرية بحتة، وذلك لتوفير نظام ملاحي للجيش الأميركي وحلفائه، لمساعدة الطائرات والقطع البحرية للوصول إلى أهدافها في مختلف الأحوال الجوية. وقد كانت الأجهزة الأولى أضخم مما يمكن لجندي المشاة حمله بالسهولة اللازمة، وفي ما بعد تم تطويع النظام للاستخدام في الأسلحة الموجهة.

وتوجد فوارق في دقة نظام تحديد المواقع العالمي حيث أن التطبيقات العسكرية أكثر دقة من مثيله المدني الذي يُمكن الوصول إلى دقة بضعة أمتار (نحو 10 أمتار)، حيث أن الولايات المتحدة الأميركية كانت تقوم عمدا بالتشويش على إشارات أجهزة تحديد المواقع لمنع استعماله مدنيا والحد من جودتها في التطبيقات المدنية.

فخلال اجتماع لاثني عشر ضابطاً عسكرياً في البنتاغون في العام 1973، تمت مناقشة ابتكار “نظام دفاعي باستخدام الأقمار الملاحية DNSS “، وكان هذا الاجتماع هو “شهادة الميلاد الحقيقية للمزيج الذي أصبح بعد ذلك GPS”.

وفي نفس السنة تمت تسمية الـDNSS باسم آخر هو Navstar ولما كان اسم ناڤستار، مرتبطاً بالأقمار الصناعية الفردية، مثل قمر ترانزيت وقمر التوقيت، فقد تم استخدام اسم أكثر شمولية ليعبر عن مجموعة أقمار الناڤستار. ذلك الاسم الأكثر اكتمالاً هو “ناڤستار-جي. بي. إس Navstar-GPS” الذي تم اختصاره بعد ذلك إلى “جي. پي. إس GPS”. بعدما أسقطت طائرة الرحلة “رقم 007” للخطوط الجوية الكورية عام 1983 عندما ضلت طريقها مخترقة المنطقة المحرمة على الطائرات من أجواء الاتحاد السوفيتي، عندها أصدر الرئيس الأميركي “رونالد ريغان” أمراً بجعل GPS متاحاً ومجانياً للاستخدام المدني، خاصة وقد تطور ليكون ذا فائدة عامة.

في البداية، كانت الإشارة ذات الجودة العالية يتم تخصيصها للاستخدام العسكري، والإشارة المتاحة للاستخدام المدني كانت منخفضة الجودة بشكل متعمد، وعرفت تلك الفلسفة في التحكم بالإِشارة، بالإتاحية الانتقائية، التي انتهت في العام 2000، فتحسنت دقة جهاز تحديد المواقع المستخدم في الأغراض المدنية.

نظام تحديد المواقع العالمي الأميركي ليس الوحيد من نوعه عالميا، فهناك عدة أنظمة مماثلة مثل النظام الروسي غلوناس Glonass وهناك الأنظمة قيد التطوير والبحث مثل غاليليو في أوروبا، وبعض الأنظمة المشابهة في الصين والهند واليابان

في ذلك الوقت صدر قرار وزارة الدفاع الأميركية بالعمل على استحداث نظام عالمي لتحديد المكان، لاستبدال نظام الملاحة بالأقمار الصناعية المسمى ransit Doppler وذلك لتفادي مشكلتين رئيستين، الأولى التغطية غير الكافية للأقمار الصناعية، والثانية العمليات الملاحية غير الدقيقة، ولذلك صمّم نظام GPS ليوفر تغطية كاملة وبدقة عالية لخدمة الاحتياجات العسكرية بالدرجة الأولى، وتأتي الاحتياجات المدنية بالدرجة الثانية.

استخدمت تقنية نظام تحديد المواقع، في الحروب الحديثة ومنها حرب الخليج، الأمر الذي دفع كثيرين إلى القول إن هذا الجهاز جعل من الحرب لعبة كمبيوتر يقوم فيها المهاجم بتحديد إحداثيات الهدف بدقة والقذيفة الموجهة تعتمد على نظام تحديد المواقع للوصول إليه. وقد شاهدنا كيف تمكن مهاجمة أهداف معينة بدقة متناهية وكأن تلك القذائف ترى وتعرف ماذا تفعل.

تحديد المواقع بالأبعاد الثلاثة

يتألف جهاز تحديد المواقع اليوم من ثلاث شرائح، شرائح الفضاء، والتحكم، والمستخدم. فشريحة الفضاء تتألف اليوم من 24 إلى 32 قمرا صناعيا في المدار الأرضي المتوسط، متضمنةً القاذفات المطلوبة لإطلاق هذه الأقمار إلى مدارها.

وتتألف شريحة التحكم من محطة تحكم رئيسية، ومحطة تحكم رئيسية بديلة، ومضيف للهوائيات الأرضية المهداة والمشتركة، بالإضافة إلى محطات رصد.

أما شريحة المستخدم فتتألف من مئات الآلاف من المستخدمين التابعين للجيش الأميركي وقوات الحلفاء والذين يتمتعون بالخدمة آمنة التحديد الدقيق للمواقع، وعشرات الملايين من المستخدمين المدنيين والتجاريين والعلماء الذين يستخدمون خدمة تحديد المواقع القياسي.

تبث أقمار GPS الإشارات من الفضاء، والتي تترجمها أجهزة استقبال خاصة لتوفر موقعاً ثلاثي الأبعاد (دائرة العرض، وخط الطول، والارتفاع) بالإضافة إلى الوقت الدقيق.

تطوير هذا الابتكار، تم على مدار العشرين عاماً الماضية، وبميزانية تقارب عشرات مليارات الدولارات، فالجهاز مثل ما أسلفنا يتكون من مرسل ومستقبل، وهذه التكلفة الباهظة في تطوير المرسل الذي هو عبارة عن شبكة عمل الأقمار التي تدور حول الأرض على ارتفاع 19300 كيلومتر مرتين في كل يوم، موزعة على 8 مستويات دوران، وكل مستوى يصنع 55 درجة مع المستوى الآخر ويوجد في كل مستوى ثلاثة أقمار صناعية.

الفوارق في دقة نظام تحديد المواقع العالمي تظهر بسبب التطبيقات العسكرية الأكثر دقة من مثيلاتها المدنية، والتي يمكن معها الوصول إلى دقة تقدر بنحو 10 أمتار. ويعود هذا إلى أن الولايات المتحدة كانت تقوم عمدا بالتشويش على إشارات أجهزة تحديد المواقع

إغاثة المنكوبين وخدمات البنوك

نظام تحديد المواقع العالمي الأميركي ليس الوحيد من نوعه عالمياً، فهناك عدة أنظمة مماثلة مثل النظام الروسي غلوناس Glonass وهناك الأنظمة قيد التطوير والبحث مثل غاليليو في أوروبا، وبعض الأنظمة المشابهة في الصين والهند واليابان.

أصبح GPS يستعمل على نطاق واسع اليوم، كأداة ملاحة عالمية مفيدة تستخدم موجات الراديو في رسم الخرائط، ومسح الأرض، والتجارة، والاستخدامات العلمية، والتتبع والمراقبة، والهوايات، وأيضاً يستخدم المرجع الدقيق للوقت في الكثير من التطبيقات والتي تتضمن الدراسة العلمية للزلازل، وكمصدر مزامنة لبروتوكولات شبكات الهاتف الجوال. وقد أصبح هذا الاختراع الدعامة الأساسية في أنظمة المواصلات حول العالم، داعماً ملاحة الطيران، والعمليات البرية والبحرية.

وتعتمد خدمات إغاثة منكوبي الكوارث وخدمات الطوارئ عليه للتفوق في عاملي التوقيت والتحديد الدقيق للموقع في المهام الإنقاذية. كما أن التحديد الدقيق للوقت الذي توفره هذه الخدمة يسهّل الأنشطة اليومية، مثل عمليات البنوك، وعمليات الهواتف النقالة، وحتى التحكم في شبكات الطاقة.

والآن يمارس المزارعون، والمسّاحون، والجيولوجيون، والمزيد ممن لا يمكن إحصاء أعمالهم هذا الجهاز بطريقة أكثر كفاءة، وأماناً، واقتصادية، ودقة باستخدام إشاراته المجانية والمفتوحة.

الهاتف الذكي يسأل أين أنت

في عالمنا اليوم ومع تطور التكنولوجيا التي جعلت من العالم قرية صغيرة، أصبح الاختفاء عن الأنظار أمراً صعبا، وكما أن كل من يستخدم تطبيقات تحديد المواقع قد حصّن نفسه من الضياع في التنقل في الأماكن الغريبة عنه والجديدة عليه، فإنه قد كشف مكانه لمن يبحث عنه، ومع انتشار الهواتف الذكية بشكل واسع، صارت متاحة خدمات جهاز تحديد المواقع للجميع، وبتنوع كبير من تزويد المستخدمين بأماكن الشركات والمطاعم والمقاهي والشوارع وحتى من الأماكن غير المعروفة للخرائط الإلكترونية، وأشهرها خرائط جوجل، حيث حتى المنازل المجهولة ممكن الوصول إليها من خلال إرسال الموقع من تطبيقات الهواتف الذكية من شخص إلى آخر.

كثيرون جدا هم الذين يستخدمون هذا النظام، فالبواخر الكبيرة وحتى القوارب الخاصة تستعين به لتحديد موقعها في البحار والمحيطات، وكذلك شركات النقل تستخدم هذا النظام لتحديد مواقع سياراتها، وعلى سبيل المثال شركات تأجير السيارات في أوروبا تستخدم هذا النظام حتى ترسل أقرب سيارة متواجدة بجوار صاحب الطلب، وبدأت أيضا الخدمة العالمية المعروفة Easy Taxi التي انتشرت مؤخرا في بعض دول الخليج، والتي تعتمد على هذا النظام من خلال تطبيق في الهواتف الذكية يحمل ذات الاسم وهو موجود في أيّ مكان ويطلب التاكسي أون لاين للذهاب لأيّ مكان وعندها يأتي سائق التاكسي معتمدا على النظام ذاته بتحديد مكان المتصل ونقله للمكان الذي يريد.

تحديد الموقع بالأقمار الصناعية له تأثير كبير على حياتنا الحالية، وفي السنوات القادمة أيضا من حيث زيادة الكفاءة وتقليل المخاطر في جميع أنواع المواصلات، وكذلك مراقبة كل التحركات على الأرض سواء كانت بشرية أو حتى تغيرات في الظروف المناخية أو حركة الزلازل.

في هذه الأثناء توسعت التطبيقات المدنية لنظام تحديد المواقع العالمي بشكل كبير، حتى أصبح لا غنى عنه في الحياة اليومية للمدنيين في الدول المتقدمة. ويصعب تخيل عمل أنظمة مثل بطاقات الائتمان، وأنظمة الصراف الآلي، وكثير من شبكات الاتصال، دون وجود نظام GPS، حيث يستخدم النظام في ضبط تزامن الأجزاء المختلفة من هذه الأنظمة مع بعضها.

10