الصليب في الهيئات الحكومية البافارية: انتكاسة العلمانية في ألمانيا

قرار ولاية بافاريا الألمانية اعتماد تعليق صليب مستقبلا على مدخل كل هيئة من الهيئات التابعة لرئاسة وزراء الولاية، يثير جدلا على مواقع التواصل الاجتماعي.
الجمعة 2018/04/27
الصليب للتعبد وليس للتحزب

بافاريا (ألمانيا) - قررت ولاية بافاريا الألمانية، اعتماد تعليق صليب مستقبلا على مدخل كل هيئة من الهيئات التابعة لرئاسة وزراء الولاية، في خطوة اعتبرت غير مسبوقة.

وأثار القرار فور إعلانه موجة من ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي حيث اعتبر الكثير ذلك نوعا من عودة سلطة الكنيسة إلى الحياة العامة، ما دفع رئيس وزراء ولاية بافاريا ماركوس زودر، إلى الرد عبر حسابه على تويتر والقول إن ذلك لا يعد رمزا دينيا، وإنما إقرار بهوية وثقافة بافاريا، وإنه لن يؤثر في مبدأ حيادية الدولة. ونشر زودر صورة له على موقعه على تويتر حاملا الصليب.

غير أن الصليب الذي علقه زودر، بعد ذلك على مدخل ديوان الحكومة بالولاية له خلفية دينية، حيث كان معلقا في صالة مجلس الوزراء حتى عام 2008، وكان هدية من كاردينال ميونخ السابق فريدريش فيتر، وأصبح مقدسا بأمر من الكاردينال.

وذكرت وكالة الأنباء الألمانية أن قرار زودر، لن يؤثر على البلديات ومباني الحكومة الاتحادية في بافاريا. ويذكر أن تعليق الصليب إجباري في المدارس الحكومية وقاعات المحاكم في ولاية بافاريا جنوبي ألمانيا، والتي تعيش فيها أكثرية مسيحية كاثوليكية.

 

قرار تعليق الصليب في مداخل الهيئات التابعة لرئاسة ولاية بافاريا الألمانية الذي اتخذه ماركوس زودر، رئيس وزراء الولاية ذات الأغلبية الكاثوليكية جنوبي ألمانيا، أثار أكثر من سؤال حول جدوى توظيف الديني في العمل السياسي، وما يمثل ذلك من إحداث الانقسامات الاجتماعية التي من شأنها أن تنسف النظم العلمانية التي تصب في مصلحة المتدينين أنفسهم، وهذا يشبه ما يحدث في تركيا الأردوغانية تحت ذريعة العودة إلى الهوية والجذور.

وتسببت هذه الخطوة في انتقادات لزودر، من جانب أحزاب في بافاريا وخارجها، كما حصد زودر الكثير من الاستهزاء والسخرية في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث قال سيجي هاغل، رئيس حزب الخضر في بافاريا، إنه كان من الأفضل لزودر أن يكون على مستوى المسؤولية المسيحية، وأن يقدم نموذجا للتراحم وحب الآخرين في الحياة السياسية، بدلا من تعليق الصليب في الهيئات. جدير بالتذكير أن المحكمة الدستورية العليا في ألمانيا، كانت قد رفضت قانونا أصدرته ولاية بافاريا يقضي برفع الصليب في الفصول الدراسية في منتصف مايو 1995.

وبدورها وجهت كاترين جورينج ايكارد، رئيسة الكتلة البرلمانية لحزب الخضر الألماني، انتقادا شديدا لرئيس ولاية بافاريا، ماركوس زودر، بسبب إعلانه تعليق الصليب في المؤسسات التابعة لرئاسة وزراء الولاية.

وقالت ايكارد في تصريح لصحيفة “ميتل دويتشه تسايتونغ” الخميس الماضي إن الصليب “ليس زينة مريحة للجدران”. يشار إلى أن ايكارد كانت عضوا في المجمع الكنسي البروتستانتي في الفترة بين العام 2009 و2013 وأكدت ايكارد أن الصليب هو أهم رمز كنسي “فهو يعبر عن معاناة المسيح وعن الخلاص، هذا الرمز يساء استخدامه من خلال معمعة خرقاء للمعركة الانتخابية لماركوس زودر”.

كما رأى رئيس حزب اليسار الألماني، بيرند ريكسنجر، أنه “بدلا من الأمر بتعليق صليب في كل هيئة، كان على الحزب المسيحي الاجتماعي أن يتمسك بالقيم المسيحية مثل حب الآخرين، حيث يحتاج زودر وأعوانه.. لتعويض هذا الجانب بشكل هائل”.

وكانت المحكمة الدستورية العليا رفضت قانونا أصدرته ولاية بافاريا يقضي برفع الصليب في الفصول الدراسية في منتصف مايو 1995.

ورأى رئيس الحزب الليبرالي، كريستيان ليندنر، أن التوظيف الدائم للأديان من قبل ماركوس زودر، والحزب المسيحي الاجتماعي من أجل السياسة الحزبية يذكر مباشرة بـالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والدستور لا يعرف طائفة دينية.

هذا التشبيه أو هذه المقاربة بين سياستي أردوغان في أنقرة وماركوس زودر في بافاريا، بدت في نظر البعض، مقحمة ومبالغا فيها بالنسبة لدولة ديمقراطية ذات نظام علماني، قائم على حكم فدرالي برلماني مثل ألمانيا، ولا يمكن تشبيهها ببلد ذي غالبية إسلامية مثل تركيا التي يزعم نظامها أنه وريث ما يعرف بالخلافة الإسلامية أثناء الإمبراطورية العثمانية.

لكن مراقبين ومحللين يرون أن أسلمة تركيا بدأت بخطوات مماثلة تتعلّق بإبراز رموز وإشارات دينية كانت مخفية وبعيدة عن الأضواء والدوائر الحكومية ثم ما لبثت أن ظهرت وتطورت ثم استفحلت في ظل حكم حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية. ومضى أردوغان في أسلمة تركيا التي كانت تعتبر الواحة العلمانية الوحيدة في العالم الإسلامي، حتى وصل إلى مفاصل تخص النسيج الاجتماعي فدغدغ المشاعر الدينية إلى أن وصل إلى أمور لا نجدها إلا في بلدان يحكمها الإسلام الراديكالي مثل تقييد استخدام الكحول، والفصل ما بين سكن الطلاب والطالبات، وسمح بارتداء الحجاب في المدارس، بل فعل شيئا أكبر من ذلك حين سمح بإقامة الصلوات في بعض الجهات الحكومية.

قرار لا يختلف كثيرا عما يردده الرئيس أردوغان في اجتماعات حزبه سوى أن الأول "يمسح" الدولة والثاني "يؤسلمها"

وتعتبر كل هذه الأمور مخالفة للدستور التركي ذي النصوص العلمانية الصريحة، لكن أردوغان، تمكن من تعديله وإعادة صياغة فقراته بما يناسب طموحه الشخصي ومشروع حزبه الإخواني.

المقاربة جائزة إذن وممكنة بين زودر وأردوغان، كما أشار كريستيان ليندنر، رئيس الحزب الليبرالي الألماني في معرض نقده لقرار تعليق الصليب في الدوائر الحكومية، فزودر، رئيس حكومة الولاية الكاثوليكية جنوبي ألمانيا ـ كما أردوغان في خلفيته الدينية ـ ما ينفك يردد دائما “نحن بلد ذو طابع مسيحي يهودي وسنظل كذلك” وقال في مؤتمر حزبه الأخير “طابعنا مسيحي-غربي، يهودي-إنساني” واصفا المسلمين بأنهم “لم يقدموا شيئا إلى بافاريا في المئتي عام الأخيرة” مضيفا بأن “على المرء أن يبدي التزامه بما يمثل جذور بلاده الحقيقية”.

هذا الكلام ـ في نظر المحللين ـ لا يختلف كثيرا عما يردده الرئيس أردوغان في اجتماعات حزبه سوى أن الأول “يمسّح” الدولة والثاني “يؤسلمها”. وتتوافق تبريرات الرجلين في إقحام الطائفة والدين في الدولة مع فارق إجرائي يتمثل في أن ألمانيا دولة قوية في احترامها للقوانين وحقوق الإنسان، في حين أن تركيا أصبحت بعد حكم حزب العدالة والتنمية وتعديل الدستور، دولة تمشي نحو الحكم التوتاليتاري بخطى حثيثة وسريعة.

التبريرات التي عادة ما يسوقها السياسيون الذين يستندون إلى مرجعيات دينية، تهاجم العلمانية وحياد الدولة باسم الدفاع عن حرية المعتقد، وهو أمر غاية في السفسطة والتناقض.

ولعل خير مثال على ذلك، هو ما يسوقه إسماعيل باشا، وهو من حزب العدالة والتنمية الأردوغاني “مواطنون في تركيا عانوا كثيرا من العلمانية المتوحشة التي تحارب الإسلام، وترى كل ما يتعلق بالتدين خطرا عليها”. ويستمر باشا مغازلا الإسلاميين العرب في قناة الجزيرة القطرية “حرم الأتراك من سماع الأذان باللغة العربية لسنين طويلة. وكان تعليم قراءة القرآن الكريم وتحفيظه ممنوعا في البلاد”.

وينهي الكاتب الإخواني التركي حديثه بالقول “وجاء أخيرا حزب العدالة والتنمية برئاسة أردوغان ليفتح صفحة جديدة في البلاد. وما قام به أردوغان منذ 2003 خطوات تجعل المواطنين سواسية ليتمتع المواطنون المتدينون ذات الحرية التي يتمتع بها غير المتدينين”.

لا شيء يجعل المواطنين سواسية، وفق كل الأبحاث والنظريات السوسيولوجية الحديثة غير العلمانية التي وجدت كي تحترم العقائد والديانات في البيوت وأماكن العبادة وليس في مؤسسات الدولة وهيئاتها التربوية والثقافية والقضائية.

هذا الأمر نبهت إليه كاترين جورينج ايكارد، رئيسة الكتلة البرلمانية لحزب الخضر الألماني، في قولها “الصليب ليس زينة مريحة للجدران”، وهي التي كانت عضوا في المجمع الكنسي البروتستانتي في الفترة بين العام 2009 و2013 مضيفة بأن الصليب هو أهم رمز كنسي “فهو يعبر عن معاناة المسيح وعن الخلاص، وهذا الرمز يساء استخدامه من خلال معمعة خرقاء للمعركة الانتخابية لماركوس زودر”.

يذكّر هذا التسلل البطيء بما كان قد قاله رئيس البرلمان التركي إسماعيل حقي كهرمان، عند التحضير للانقضاض على الدستور، ولكن بشكل أكثر “صراحة” إذ قال “الشعب التركي ويجب أن لا نخجل من الحديث عن الإسلام والدين في الدستور الجديد، بصفتنا بلدا مسلما”، مُتسائلا ” لماذا علينا أن نكون في وضع نتراجع فيه عن الدين؟” ليجيب هو نفسه على تساؤله بالقول “نحن بلد مسلم ويجب أن نصوغ دستورا دينيا” مُضيفا في اندفاع “يجب حذف مادة العلمانية من الدستور”..

13