العنف السردي العراقي

السردية العراقية معنية قبل غيرها من الأجناس الأدبية بأن تتناول العنف بأشكاله الكثيرة.
الخميس 2018/05/17
العنف العراقي اتخذ مناحي متعددة روائياً وواقعياً

يبدو أن العنف بمعناه المباشر قد صار إحدى فقرات الرواية العراقية الحديثة التي تتواصل كماً منذ عام 2003 وحتى اليوم، وهو أمر نقدي محض رصده النقاد والباحثون والأكاديميون والقرّاء وطلبة الدراسات العليا الذين وجدوا في هذه الموضوعة مداخلَ دراسة كثيرة، كما تناولته البحوث والندوات والمؤتمرات الكثيرة في مناسباتٍ مختلفة، في محاولات جدية لتأشير هذه الظاهرة في الأدب العراقي التي تقصّت العنف من زواياه كلها في سرديات ما بعد التغيير. وهي السرديات الروائية التي عكفت على “استلهام” هذه الثيمة الشائعة اجتماعياً وسياسياً لتنعكس في الكتابة كنتيجة طبيعية لما هو عليه الحال اليومية التي رافقت التغيير السياسي إلى الآن.

لا يمكن لباحث أو دارس أو ناقد أن يستجلي عناصر العنف الروائية التي أدمنها سرّاد العراق من دون الرجوع الى فقرتين هما: المجتمع والسياسة. وفي كل فقرة من هاتين الفقرتين هناك تفرعات ثانوية تجري مجرى الرئيسية لأهميتها، ففي المجتمع يجري السلوك الديني متداخلاً مع السياسة، وهذه هي المهيمنة البارزة كنقطة ارتكاز ضبابية تهيمن على المجتمع، ونتيجة هذه التداخلات الجوهرية -القسرية طبعا- يتولد العنف المجتمعي بغياب السلطة والقانون والفراغ الأمني. ويتولد العنف الديني – السياسي على شكل ميليشيات مسلحة.

لم يشهد العراق فورة عنف جبارة في تاريخه السابق كالتي يشهدها بعد التغيير، والتسبيب الذي أشرنا إليه تسبيب أول وجوهري في المحنة الجماعية: الدين والسياسة. لذلك جاءت طرائق العنف جديدة أيضاً في مفاصل المجتمع بمفردات دخيلة وهجينة تماما: التهجير الداخلي والخارجي، القتل على الهوية والأسماء، الاحتراب الطائفي والمذهبي، دخول عوامل خارجية بأجندات إقليمية ودولية فيها هذه الأنفاس كلها كالقاعدة وداعش وسواهما من المسميات الإرهابية الكثيرة التي استوطنت العراق أكثر من عقد، وعاثت في تفاصيله الأخلاقية والدينية والاجتماعية، تساعدها في ذلك السياسات العنيفة التي مارستها كل الأحزاب بطريقة همجية جداً.

السرديات العراقية وقعت أسيرة لهذه الثيمة المنتشرة واقعيا، لكنها أُنتِجت بأكثر من وسيلة فنية يراها البعض وكأنها إعادة لإنتاج العنف وهي رؤيا غير نقدية إنما تنطلق من موقف غير فني في جوهره النقدي، بينما العنف هو حقيقة مجتمعية كابدها العراقيون ولا زالوا؛ غير أن الرواية وثّقته بما تراه مناسباً للتوثيق حتى تشابهت الكثير من الروايات في رؤية العنف المجتمعي الذي طال الجميع، لكن ليس هناك إعادة إنتاج للعنف بالمعنى المباشر سوى وثائقيته التي تُعَد مادة ضرورية للعمل السردي.

 والعنف العراقي اتخذ مناحي متعددة روائياً وواقعياً، ليس أقلّه العنف الجسدي الذي فاق حتى أكثر الصور خيالاً وعجائبية، والعنف المعنوي المحبِط والمجتمعي المتدني والسياسي القذر والديني المخادِع، بما يشكل كل هذا صيغة إرهابية طالت الفرد والمجتمع ومؤسسات الدولة. لذلك جاءت الرواية متخمة بهذا العنف وهو رد فعل طبيعي لما حدث ويحدث في أروقة المجتمع.

وليس هذا خصوصية سردية عراقية وإنْ كان متوسعاً جداً، لكن في السرديات العالمية نجد الكثير من هذا الوصف الذي تسببت به الحروب العالمية والأهلية وشيوع الدكتاتوريات المحلية إذ نقرأ في سرديات أميركا اللاتينية والروسية والأفريقية والأميركية والألمانية والعربية أيضاً الكثير من العنف الروائي، خرج من معاطف الحروب والطغيان السياسي وكان أدب الحرب جديداً على الكتابة السردية العراقية، لكنه ابتدأ فعلياً مع الحرب العراقية الإيرانية حينما تحول الواقع إلى فجائع موت متواصلة؛ وبعد التغيير السياسي زادت كمية العنف بمسميات كثيرة لغياب سلطة الدولة وسيادة الجماعات المسلحة وبالتالي فإن السردية العراقية معنية قبل غيرها من الأجناس الأدبية بأن تتناول العنف بأشكاله الكثيرة.

14