المَلاء والفراغ

إن الملاء والفراغ مبحث من مباحث الفلسفة منذ العصور القديمة حيث لكل فيلسوف فكرته التي يبنيها وفق تمثلاته لهذا الموضوع.
الخميس 2018/05/17
لخلق الفراغ، ينبغي إزالة كل شيء (لوحة: نهاد الترك)

لو وضعنا كأسين، إحداهما فارغة والثانية ملآنة، وطلبنا من شخص عاديّ تسميتهما لأجاب بوضوح لا يشوبه لبس. ولكن لو ألقينا السؤال نفسه على فيلسوف لأكّد أن كلتيهما ملآنة، وأن ما نحسبه فراغا هو في الواقع ما يتبقى في الكأس بعد أن نستخرج منها كل شيء. فإذا استغربنا هذا المفهوم، وقلنا إن ذلك يثير الإشكالية التالية: إن نحن أقررنا بوجود الفراغ، فمعنى ذلك أنه ليس لا شيء، بل هو شيء ما، لا يمكن إزالته خشية خلق فراغ، قد يتحول بدوره إلى عدم لا يمكن أن يكون، لأنه كما أسلفنا شيء. فسيعلّق الفيلسوف قائلا: “بالضبط.

لخلق الفراغ، ينبغي إزالة كل شيء، ما عدا الفراغ نفسه بطبيعة الحال”. فينتأ في الذهن سؤال: “وما هو هذا الـ‘كل شيء‘ الذي نزيله؟ هل نعتبر أن الفضاء لا علاقة له بالفراغ، وبالتالي يمكن إزالته، أم أنه جزء من الفراغ؟”.

 إن “الملاء والفراغ” مبحث من مباحث الفلسفة منذ العصور القديمة، ولئن كان أرسطو لا يؤمن بوجود الفراغ لافتقاره إلى بعد فيزيقي لكونه لا يتناسب مع الحركة، إذ يرى أن “ما من شيء يستطيع الحركة لو كان الفراغ موجودا”، وأن الكون فضاء كرويّ الشكل ملآن، ومنظَّم في اتّساق وانسجام. ولكن الصيني لاوزي الذي سبق أرسطو بقرنين، ذهب مذهبا آخر، ففي رأيه أن في البدء كان الفراغ، والمبدأ (داو بالصينية) يتغذى من العدم لإحداث الأشياء.

ويضرب مثلا على ذلك بدورق، ليبين أن الفضاء الفارغ هو الذي يجعله مفيدا، ويستنتج أن الفراغ ليس غياب الكائن، بل هو دينامية تهيكل شيئا ما وتعطيه معناه. ولخص فلسفته تلك في الـ”دواديجنغ” وخلاصتها “أن ما هو كائن يخدم الحاجة، وما ليس كائنا يمثل الجوهر”.

هذه الفكرة نجدها أيضا عند ديكارت، إذ لاحظ أننا نقول عن إبريق يحتوي على الهواء إنه فارغ بدعوى أنه جُعل لكي يسع الماء وليس الهواء. ذلك الهواء الذي أثبت باسكال علميّا وجوده، وإن ركز على الفراغ الوجودي، الذي يسعى الإنسان عبثا عن طريق اللهو والمتع إلى ملئه، لأن “تلك الهوة اللامتناهية، في ظنه، لا يمكن أن تُملأ إلا بكائن لامتناهٍ، أي الله نفسه”.

لو أعدنا هذا الكلام على مسمع الرجل العادي أعلاه لرمانا بالجنون، إذ كيف يمكن أن نقنعه بأن الكأسين متماثلتان، وأن الشكل، لا المادة، هو الذي يمكن أن يقال إنه فارغ أو ملآن. وفي ذلك دليل آخر على خطأ من يروم نقل الفلسفة إلى الشارع.

15