بغداد قِدرُ الضغط الكاتم

وأنا أحمل مشروعاً طموحا لأن أكون صوتهم، وأدركت بعدها أن "قدر الضغط "هذا يحمل تاريخاً من الأحزان والألم وتوزيع الأدوار والاستحالات التي أنتجتها سنوات القتل والترهيب والاختطاف والفساد.
الخميس 2018/05/17
هل تأخرنا؟

لعل الأيام تكشف كل ما تفيض به روحك، من تمنيات حين تودع محبتك للناس الذين عشت معهم سنينا، وكنت تفرح على وقع فرحهم وتحزن لأنهم يُودعون أحزانهم في نعوش الشهداء.

تدور في المدينة كعاشق مجنون، تُعاين شوارعها وجوامعها وكنائسها العتيقة وأسواقها التي كانت عامرة بالمنتجات الوطنية، وتجازف رغم التحذيرات عصرا وتدلف شارع الرشيد العتيق، فلا ترى أحداً غير المحلات التي فرّ أصحابها باكراً وأحكموا غلقها وكان الشارع يعيش وضع منع التجوال. وحدي أسير بين تلك الأعمدة التي تُميز ذلك الشارع الطويل الذي يحاذي نهر دجلة، قلت “عجبًا أين الناس يا ترى؟”.

أجابني صعلوك، جلس قرب دار سينما قديمة بتهكم “كم صار لك مغادراً بغداد؟!”.

وقبل أن أجيب قال لي بلهجة بغدادية “عمي هاي كانت جبهة قتال، نحمد الله توقف فيها القتل أشلع بابا قبل أن يحل الظلام عجبت أن يتحول الشارع الأثير في بغداد ورمزها إلى جبهة حرب يوماً”.

وقد شهدت لحظة انتهاء حملة الانتخابات وكيف يهجم المئات من الباعة الجوالين على صور المرشحين لينتزعوها من الشوارع وليأخذوا الحديد الذي علقت به، وترمى الصور على الأرض لتأتي البلدية وتكنسها، إنها لحظة لا توصف تعبر عن عقاب المارة لتلك الصور ومرشحيها، في ساعتين أنزلت مئات الآلاف من الصور الكبيرة، وسحبت من الشوارع لتسدل ستارة النهاية من مشهد الانتخابات، التي عاقب فيها الشارع السياسيين الكبار من أصحاب تلك الصور الكبيرة، الأصحاب الذين التقيتهم في شارع المتنبي والذين جئت مرشحاً من أجلهم كانوا يعتبون علي ويلومونني: لماذا عدت تاركاً حياتك الوادعة خارج “قدر الضغط” الذي نحن فيه، هكذا عبر صديق صحافي مخضرم.

وأنا أحمل مشروعاً طموحا لأن أكون صوتهم، وأدركت بعدها أن “قدر الضغط “هذا يحمل تاريخاً من الأحزان والألم وتوزيع الأدوار والاستحالات التي أنتجتها سنوات القتل والترهيب والاختطاف والفساد التي تحولت إلى مؤسسات راسخة في المجتمع الذي أغلق شارعا كالرشيد وأنتج مئات الآلاف من الباعة الجوالين وبطالة لا وصف لها تراها في حديقة الأمة قلب بغداد، وساسة تعاملوا مع الواقع بإحكام صم آذانهم وتمترسوا في المنطقة الخضراء التي اقتحمها الصدريون مرات وكادوا يهددون وجود السلطة فيها من وزراء وبرلمانيين في مكاتبهم والقصور التي بناها ما يسمى بـ“النظام السابق” حتى فاز الصدريون بأغلب الأصوات.

قبيل مغادرتي قرأت عبارة علقت على جدار في المتنبي “ما جدوى الأمنيات إن تأتي متأخرة”. هل تأخرنا؟

24