حين يهب العراقيون أصواتهم لمتعاقدين

ما قام به المثقفون العراقيون القادمون من الخارج لا يقل خطورة عن الدور الذي لعبه رجال الدين من أجل إخضاع الشعب من خلال إلهائه عن النظر إلى حقيقة الكارثة التي ضربته وتقدير حجمها.
الخميس 2018/05/17
نتائج مخيبة للآمال

قرأت تصريحا لأحد المرشحين الذين فشلوا في الانتخابات العراقية يقول فيه ما معناه إن مشاركته في الانتخابات كانت فرصة طيبة لزيارة وطنه الأم الذي سيغادره بعد انتهاء الموسم الانتخابي عائدا إلى وطنه البديل.

إلى جانب ذلك المرشح هناك نواب سابقون فشلوا في الاستمرار نوابا سيغادرون أو غادروا هم الآخرون إلى أوطانهم البديلة حيث تقيم عوائلهم. كانت نزهة وانقضت. خرجوا منها برواتب تقاعدية عالية، إضافة إلى ما اقتنصوه من أموال نتجت عن صفقات فاسدة عقدوها أو يسّروا للفاسدين عملية الوصول إليها.

هذا الوضع ليس جديدا في العراق. فمنذ السنوات الأولى للغزو الأميركي اختفت وجوه كثيرة فجأة مثلما ظهرت فجأة. خدمَ عراقيون كثيرون سلطة الاحتلال وحين انتهت الفترة التي تنص عليها عقودهم غادروا بصمت إلى أوطانهم البديلة، تاركين العراقيين لأوجاعهم ولبؤسهم وتعاسة أيامهم.

“ليس هناك من أمل” يقول لي واحد من أوائل العراقيين الذين استعملتهم سلطة الاحتلال في عملية تطبيع ثقافة الذل والخنوع والاستسلام.

لا أعتقد أن أحدا من عراقيي الخارج ممن قَدموا مع الغزاة كان يجهل أن المشروع الأميركي إنما يهدف أصلا إلى تدمير العراق. أما مفردة “تحرير” التي تمت إشاعتها بين شرائح الشباب في المجتمع العراقي، فقد كانت جزءا من ثقافة الاحتلال التي كُلف أولئك العراقيون بإشاعتها لتحل محل مفردة “احتلال” وهو ما نقضه الأميركان حين اعترفوا أمميا بأن وجودهم في العراق هو احتلال وأن العراق واقع بلد محتل.

لم يكتف بعض عراقيي الخارج بزيارة وطنهم المنكوب، بل زوّروا الحقائق التي شاهدوها بأعينهم ولمسوها بأيديهم رغبة منهم في التقرب من المحتل، من أجل أن يكون لهم دور في العراق الجديد الذي يعرفون أن ماكنة الكذب الأميركي ستنتجه معلبا بصلاحية استعمال منتهية.

لا أحد منهم بإمكانه اليوم أن ينكر ما فعله. لقد وقع الاحتلال في زمن الإنترنت. وهو ما يعني أن المرء لا يحتاج إلا لبضعة ثوان ليحصل على الوثائق التي يريدها.

ما قام به المثقفون العراقيون القادمون من الخارج لا يقلّ خطورة عن الدور الذي لعبه رجال الدين من أجل إخضاع الشعب من خلال إلهائه عن النظر إلى حقيقة الكارثة التي ضربته وتقدير حجمها.

ما كان صادما حقا أن يسبق يساريّو العراق المعارضون غيرهم للترويج للديمقراطية الأميركية التي هبطت على العراق، بعد أن تم تدمير دولته ونشر التنظيمات والجماعات الإرهابية المسلحة فيه.

يومها لعب المبشرون بالديمقراطية دورا مريبا في التستر على الجرائم التي كانت قوات الاحتلال الأميركي ترتكبها في أماكن مختلفة من العراق. وكان واضحا تبنيهم لوجهة النظر الأميركية التي صنفت المقاومة باعتبارها نوعا من الإرهاب.

وعلى العموم فقد عُرف أولئك الديمقراطيون كيف يغسلون أيديهم من آثار تلك الديمقراطية حين غادروا العراق سالمين بعد أن انتهت خدمتهم وهم يرددون “إن الوضع سيء ولا يمكن أن يتحسن”. أما خيانة بعضهم البعض الآخر فهو ما كان يحدث كل لحظة.

نكذب على أنفسنا حين نظن أن الذاهبين مع المحتل أتباعا لا يعتبرون أنفسهم خونة. “انتهى المناضلون السابقون إلى الخيانة”. هذه الخلاصة التي كانت من الممكن أن تكون مؤلمة، لولا أن أولئك المناضلين قد كشفوا بأنفسهم أنهم لم يكونوا سوى متعاقدين ينتظرون بنفاذ صبر انقضاء مدة تعاقدهم، ليغادروا العراق عائدين إلى أوطانهم التي لم تعد بديلة بل هي الأصل.

في ذلك السياق سيكون مؤلما أن نقول “إن العراقيين كانوا قد ذهبوا في أربع دورات انتخابية إلى مراكز الاقتراع من أجل أن يهبوا أصواتهم لمتعاقدين، سيغادرون العراق ما إن تنتهي مدة تعاقدهم من غير أن يلقوا عليهم تحية الوداع”. وهنا بالضبط ما يهب فوز القائمة التي يتزعمها مقتدى الصدر في الانتخابات الأخيرة معنى التحول الذي شهده العراق، بالرغم من أن تلك القائمة قد ضمت هي الأخرى عددا من المتعاقدين.

9