مكارم الأخلاق لا تكتسب من الجامعات

العديد من الأطباء فقدوا الإحساس بالرحمة تجاه المرضى، وبات يتملكهم إحساس داخلي بأن المريض عبء، ولذلك لا يكلفون أنفسهم بسؤاله عن اسمه أو فحصه فحصا دقيقا.
الجمعة 2018/04/27
مكارم الأخلاق لا تقدر بثمن

يؤدي الأطباء بعد تخرجهم من الجامعة قسم أبقراط الطبي، الذي يلزمهم بجملة من المعايير الأخلاقية والإنسانية، من أجل تقديم أفضل الرعاية الصحية للمرضى واحترام قواعد السلوك المهني المتعلقة بعدم الكشف عن هوية المرضى وأسرارهم، ومعاملة المرضى القادمين من مختلف الأعراق والثقافات على قدم المساواة والاحترام.

وتفرض آداب مهنة الطب على الأطباء والممرضين بالدرجة الأولى سؤال المريض عن اسمه وتاريخ ميلاده، وإن لزم الأمر تكرار السؤال أكثر من مرة، قبل المباشرة في علاجه، من أجل التأكد أن الشخص الموجود أمامهم، هو بالفعل المعني بالعلاج.

وقد أطلقت منظمة الصحة العالمية، قائمة من الإجراءات للسلامة الطبية بهدف مساعدة الأطباء والعاملين في القطاع الصحي، على تلافي الأخطاء التي تودي سنويا بحياة نحو نصف مليون شخص في أنحاء العالم.

وتنصح المنظمة بضرورة تحديد هوية المرضى، واستعمال أدوات الحقن مرّة واحدة فقط، وغسل اليدين باستمرار للوقاية من أنواع العدوى المرتبطة بالرعاية الصحية، وعدم الخلط بين الأدوية المتشابهة من حيث الشكل واللفظ.

قد يبدو إجراء سؤال المريض عن اسمه بسيطا بالنسبة للكثير من الأطباء، إلا أن الأمور التي قد يراها البعض تافهة، تكون أحيانا أكثر أهمية مما يتوقعون. ففي عامي 2004 و2005 واجهت المؤسسة الوطنية للخدمات الصحية في المملكة المتحدة (NHS) دعاوى قضائية تتعلق بالإهمال الطبي تجاوزت قيمتها 400 مليون جنيه إسترليني، ومن أسبابها الأخطاء المتعلقة بعدم تحديد هويات المرضى بشكل صحيح.

ربما من الصعب الجزم بعدم وقوع الأخطاء الطبية مستقبلا، ولكن من الممكن تجنّبها قدر الإمكان، بإجراء التَّعرف على هوية المريض عبر سؤاله عن اسمه كاملا، ثم التثبت من مدى مطابقة الاسم مع سوار التعريف المثبّت بمعصم المريض ومقارنته بما هو مكتوب في الملف الطبي.

وهناك العديد من الإجراءات التي تعتبر في نظر الأطباء غير مهمة، إلا أن فوائدها كبيرة، إذ بإمكانها أن تساعد على ضمان سلامة المرضى، وتحدّ من أضرار الأخطاء المتعلقة بتقديم العلاج وصرف الأدوية، وتصنيف عيّنات الدم والعيّنات المخبرية، التي تعد أحد المتطلبات الأساسية لضمان سلامة المرضى.

وتبقى الحقيقة المؤكدة هنا، أن الأخطاء الطبية ليست بالظاهرة المتعلقة بدول بعينها، ولكنها مستفحلة وبشكل خطير في المؤسسات الصحية بمعظم الدول العربية، وسببها لا يتعلق بانعدام تطبيق الأطباء لإجراءات السلامة الصحية فحسب، ولكن أيضا بعدم اللا مبالاة والإهمال اللذين أصبحا مستشريين في المستشفيات الحكومية بشكل خاص، والأسوأ من ذلك أن العديد من الأطباء فقدوا الإحساس بالرحمة تجاه المرضى، وبات يتملكهم إحساس داخلي بأن المريض عبء، ولذلك لا يكلفون أنفسهم بسؤاله عن اسمه أو فحصه فحصا دقيقا، وكثيرا ما يديرون له ظهورهم في انتظار انصرافه على مضض، وهناك ما هو أفظع فقد تعمد طبيب تونسي تسجيل فيديو ونشره على فيسبوك، يسخر فيه من الأسئلة التي يطرحها البعض من مرضاه، وتهكم كما أحب وشاء على تصرفاتهم وبساطة تفكيرهم.

في كل مجال يوجد استثناء، والأطباء التونسيون لا تنقصهم الكفاءة والخبرة، ولديهم بصمات ونجاحات يشهد بها التاريخ، إلا أن هذا الطبيب استثنائي في سلوكه الذي خرج عن آداب مهنة الطب ورمى بقسم أبقراط عرض الحائط، ولذلك فهو عار على رسالة الطب النبيلة. من المؤسف أن مكارم الأخلاق، لا يمكن اكتسابها من الجامعة، وهي من الصفات التي لا تتوفر في جميع الأطباء، وستظل حرفيا، لا تقدر بثمن.

21