أبريل 24, 2017

سؤال التقدم والتخلف: تهجير اليهود العرب أنموذج للخطأ التاريخي القاتل

ما يعيشه العالم العربي في الوقت الراهن نتيجة لظروف تاريخية عديدة لم تستوعب شعوب المنطقة تجاربها ومواعظها. هو وضع تتحمل وزره الأكبر النخبة السياسية التي اختارت أن تعزل شعوبها وتستلب عقولها من خلال الارتكان إلى نظرية المؤامرة لتبرير الأخطاء والاعتماد على الدين كأفيون يخدر العقول من خلال تفسيرات محددة بعضها لم يعد صالحا وارتبط أساسا بسياقات خاصة خلال السنوات الأولى للدعوة الإسلامية ومن خلال مناهج تعليمية تزيد من الأزمة.
النكبة في الخطاب

في عام 1930 نشر شكيب أرسلان كتابه الشهير “لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم”، حاملا سؤالا لا يزال صداه يتردد في حاضرنا. توالت الأجيال والعقود وبقي السؤال في انتظار الجواب كما بقي الواقع العربي يراوح مكانه حتى بعد رحيل الاستعمار الغربي.

من الواضح أن الخلفية النفسية للانكسار والحيرة والتردد مزروعة في تلافيف الوعي العربي. والحكايات كثيرة لكنها تتطلب النقد الجريء والفحص والتأمل لإعادة طرح السؤال القديم مرة أخرى: لماذا عموم العرب متأخرون؟

لنتأمل ماذا جرى في مسابقة الجودو لدورة الألعاب الأولمبية لعام 2016 في البرازيل، عندما هزم مصارع جودو إسرائيلي يدعى أور ساسون خصمه المصري إسلام الشهابي في مباراة الدور الأول.

رفض اللاعب المصري مصافحة اللاعب الإسرائيلي. استهجن جمهور المباراة هذا التصرف وأطلق عبارات تندد باللاعب المصري. وهذا يؤدي إلى التساؤل: لماذا نتعمد نحن العرب تشويه صورتنا أمام العالم في مواقف عادية.

وتعتبر ردود أفعالنا حيالها في نظر الغرب لا أخلاقية؟ وما مدى إسهام العرب أنفسهم في تحويل الكيان الإسرائيلي إلى دولة؟ ثم بعد ذلك أصبحت الحساسية تجاه نكبة فلسطين تسبب الصداع والألم النفسي ورد الفعل العاطفي.

البداية من النكبة

يجب أن نتذكر أن الدول العربية قامت منذ ما بعد إعلان نكبة فلسطين عام 1948 بطرد اليهود العرب وترحيلهم إلى فلسطين. وبلغ عددهم ما يقارب 900 ألف يهودي عربي، وبذلك قدم العرب بهذه الخطوة، بوعي أو من دون وعي، هدية للدولة العبرية الناشئة، في تصرف يثبت خطأ التعامل بكراهية مع اليهود والفشل في اعتبارهم مواطنين في دولهم الأصلية.

مشكلتنا في العالم العربي هي في وجه من وجوهها مشكلة ثقافية تكمن في معاداة التنوع وعدم القبول بالآخر المختلف

وعكس ترحيل اليهود العرب عدم المقدرة على الفصل بين اليهودية كديانة وبين الصهيونية كحركة سياسية، ونجم عن ذك إخفاق في التعايش والتسامح مع اليهود كطائفة. وبمرور الزمن أدى التصرف العربي ضد اليهود العرب إلى نتيجة كارثية. خسر العرب نخبة من مواطنيهم من أصحاب الأموال والنفوذ والحرف الصناعية والتنوع والثقافة. ثم دخلوا في حروب باهظة الثمن وغير محسوبة الخسائر ضد إسرائيل. واستمرت العقلية العربية تحيك نظريات المؤامرة أمام شعوبها، والبحث الدائم عن كبش فداء لتبرير هزائمها.

في المحصلة النهائية كسبت الدولة اليهودية العنصرية ممثلة بالكيان الإسرائيلي ألوانا مختلفة من المواطنين في رقعة الأرض التي ضاعت من أيدي العرب، بل ورفدوها بأنفسهم بمواطنين يهود، إلى جانب اليهود الذين قدموا من روسيا والغرب.

وأصبح حال الدويلة الناشئة يشبه شكليا الولايات المتحدة. ولجأ إليها اليهود من مختلف البلدان ونصفهم قدموا فور نشأتها من دول عربية. فلأكثر من ألفي سنة عاش اليهود في الدول العربية مثل المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر واليمن وسوريا ولبنان والعراق، وكذلك في البلدان الإسلامية مثل تركيا وإيران، واليوم يشكلون أكثر من نصف سكان إسرائيل.

وبالنظر إلى أعداد اليهود في الوقت الحاضر ممن بقوا في بلدانهم العربية نلاحظ الفرق الشاسع في الماضي والحاضر. والآن وعلى النقيض نجد أن الفلسطينيين هم أكثر طالبي اللجوء في العالم، والمدعومين بسخاء. فبعد حرب عام 1948 فر حوالي 700.000 فلسطيني من مدنهم وقراهم، علما أن بعضهم لم يهاجر بسبب الحرب حينها، بل طلب منهم المغادرة وظنوا أنها ستكون مؤقتة، على أساس أن يعودوا إلى مناطقهم بعد انتهاء الصراع مع الكيان الإسرائيلي.

هشاشة في مبدأ المواطنة وقيم التعايش

واعترف خالد العظم، رئيس الوزراء السوري في 1948-1949، في مذكراته بهذا الدور العربي في إقناع الفلسطينيين بالمغادرة من مناطقهم. ولم يدرك العرب مدى فداحة هذا الخطأ الذي خلق أزمة اللاجئين الفلسطينيين حتى يومنا هذا، الأمر الذي دفع بالأمم المتحدة إلى تشكيل “الأونروا” (وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين)، وذلك عام 1949، وهي وكالة الأمم المتحدة الأكبر والأطول أمدا التي شُكلت على الإطلاق للتعامل مع مجموعة واحدة فقط من اللاجئين.

مشكلة قبول الآخر

مشكلتنا في العالم العربي هي في وجه من وجوهها مشكلة ثقافية تكمن في معاداة التنوع وعدم القبول بالآخر المختلف. وقد ضرب المؤرخ الإنكليزي بول جونسون مثالا على معاداة العرب لليهود والتدهور الاجتماعي والسياسي الذي حل بالعرب بعد طردهم لمواطنيهم اليهود، وذلك عندما قامت إسبانيا بطرد مواطنيها من اليهود في عام 1492، الأمر الذي ترك أثرا بالغا على إسبانيا، حيث أن ذلك أدى إلى حرمان إسبانيا ومستعمراتها من فئة مشهود لها بالكفاءة في علوم المالية والتمويل المالي والقروض.

وفي روسيا القيصرية، أدى اعتماد العديد من القوانين المعادية للسامية إلى إضعاف الحكومة الروسية بأكملها وإفسادها في نهاية المطاف، مما أدى أيضا إلى هجرة جماعية لليهود، وبالتالي فقدان رأس المال الفكري والبشري جزءا من طاقاته.

أما ألمانيا فقد كان من الممكن أن تسبق الولايات المتحدة في صناعة القنبلة النووية لو لم يقم أدولف هتلر بطرد العلماء اليهود مثل ألبرت أينشتاين وإدوارد تيلر، وغيرهما من الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة ليخترعوا للأميركان القنبلة النووية. فلو قرأ العرب الأخطاء التي وقعت فيها الأمم الأخرى واستوعبوا الدروس والعبر لما ارتكبوا تلك الحماقة بطرد اليهود العرب الذين كان من الممكن أن يكونوا سندا وعونا للأنظمة العربية في مواجهة إسرائيل من داخل مفهوم المواطنة والتعايش والتسامح.

ولا ننس أن إسرائيل تقدم نفسها اليوم باعتبارها دولة دينية عنصرية مغلقة، ولا يكف السياسيون فيها عن تأكيد يهودية الدولة، وعن تذمرهم من زيادة السكان غير اليهود المعروفين إعلاميا بعرب الـ48. وبالتالي فإن التعايش والتعامل مع اليهود العرب بوصفهم مواطنين في دول مدنية كانا سيسهمان بشكل إيجابي في دحض ونفي المزاعم الإسرائيلية ويسحبان البساط من تحت أقدام الصهيونية التي تتحجج باضطهاد اليهود لتبرير احتلال الأراضي الفلسطينية.

وهناك من لا يزال يخلط حتى الآن بين الصهيونية العنصرية المحتلة وبين اليهودية كديانة. إن معاداة اليهود ليست وليدة الصدفة ولم تبدأ منذ اغتصاب الصهيونية لأرض فلسطين عام 1948، بل هي تاريخية ولا تزال موجودة في كتب التراث الإسلامي، والتي هي في الأساس عبارة عن اجتهادات وتأويلات بشر وأفراد في القرون السابقة، وهي تأويلات سطحية كانت تناسب زمنهم الذي كان أقل انفتاحا وأكثر توجسا وتعصبا. لكن يبدو أن الكراهية ضد اليهود ستبقى مستمرة طالما كتب التراث لا تزال تحرض على ذلك منذ المراحل التعليمية الأولى للأطفال، عندما نعلمهم أن “غير المغضوب عليهم” هم اليهود، وأن “ولا الضالين” هم النصارى!

التعايش مع اليهود العرب بوصفهم مواطنين في دول مدنية كان سيسهم بشكل إيجابي في دحض المزاعم الإسرائيلية

تعديل المناهج

تعب المفكرون والنقاد من التنبيه إلى أن المناهج الدراسية في عموم الدول العربية بحاجة إلى تعديلات جذرية لمحو العبارات التي تحرض على الكراهية، والاتجاه نحو صياغة منهج يعمل على تعزيز لغة التسامح وتقبل الآخر، والابتعاد عن العصبية المذهبية والطائفية. لأن الكراهية والمعاداة مرض شديد العدوى يؤثر بشكل كبير على الجميع سواء كانوا من البسطاء أو المثقفين.

لكن حالة التدهور العربي شاملة وتتجاوز هشاشة مبدأ المواطنة وقيم التعايش إلى ركاكة مستوى التعليم الأساسي والجامعي الذي يربي الأجيال ويتحكم في سلوكها المستقبلي. وبالنظر إلى سلم ترتيب الجامعات على مستوى العالم لا نجد اسم جامعة عربية ضمن قائمة الجامعات العالمية.

وعلى مستوى البحث العلمي نجد أن العرب متأخرون كثيرا عن بقية دول العالم، كما أن الحراك الثقافي يُعد بطيئا بالمقارنة مع الدول الأخرى، وإذا ما قارنّا بين أرقام براءات الاختراع مثلا بين مصر وإسرائيل، على أساس أن مصر أكبر الدول العربية من حيث عدد السكان، فقد أعلن مركز براءات الاختراع في الولايات المتحدة عام 2015 عن 3804 براءة اختراع من إسرائيل مقارنة بـ 30 براءة اختراع من مصر.

ومن الطبيعي القول إنه يتوجب على الدول أن تتعلم من جيرانها حتى لو كانوا في خانة العداوة التاريخية المتوارثة، كما ينبغي تجاوز الصورة النمطية في أذهان عموم العرب عن اليهود والتي تختزلهم في صورة جندي إسرائيلي يرهب الفلسطينيين.

يجب أيضا أن نسأل أنفسنا لماذا لا توجد حتى الآن دولة فلسطينية؟ وهل إذا ما سمحت إسرائيل للفلسطينيين بأن تكون لهم دولة خاصة بهم سيكون هناك سلام في الشرق الأوسط؟ وما نصيبنا نحن العرب من التقصير في الوصول إلى اليوم الذي يتم فيه إعلان ميلاد دولة للفلسطينيين؟

يهود يمنيون في طريقهم إلى إسرائيل قادمين من عدن (1949)

يبدو أن فرصا كثيرة ضاعت حتى الآن من أيدينا، فبعد تفكك الإمبراطورية العثمانية إثر الحرب العالمية، استولت بريطانيا على معظم دول الشرق الأوسط بما في ذلك المنطقة التي تشكل فلسطين التاريخية التي تقوم على أجزاء كبيرة منها في الوقت الراهن إسرائيل.

وبعد 17 عاما وبالتحديد في عام 1936 إبان الثورة العربية ضد البريطانيين وضد اليهود شكل البريطانيون فرقة عمل “لجنة بيل” لدراسة ما أسموه بالتمرد. وخلصت اللجنة إلى أن سبب العنف هو أن الفلسطينيين واليهود يريدون أن يحكموا نفس الأرض، فكان الجواب الذي خلصت إليه لجنة بيل هو إنشاء دولتين مستقلتين واحدة لليهود، وأخرى للعرب.

ولكن حتى هذا التأسيس البريطاني لحل الدولتين منذ ذلك التاريخ واجه صعوبات وجدال لم يستقر ولم يفض في النهاية إلى أي فائدة عملية للقضية الفلسطينية.

الحل الذي كان قائما على إنشاء دولتين كان معارضا بشدة من قبل العرب، حيث عرض البريطانيون 80 بالمئة من الأراضي المتنازع عليها للعرب، مقابل 20 بالمئة لليهود، وعلى الرغم من صغر حجم الدولة المقترحة صوّت اليهود آنذاك كما يقال لقبول هذا العرض، بينما رفضها العرب.

واستمرت عملية قضم الأرض الفلسطينية إلى أن أصبح مجرد حلم إقامة دولة فلسطينية بحدود ما يعرف بـ 1967م بعيد المنال في ظل انتشار المستوطنات الإسرائيلية.

والنتيجة أن القضية الفلسطينية في الوعي العربي دخلت خانة الاستهلاك اللفظي، ولم تسلم من قيام العديد من القادة العرب وغير العرب بالمتاجرة بها، بل إن الفلسطينيين أنفسهم أسهموا في هذه الحالة من المتاجرة والمراوحة بالقضية في خانة الشد والجذب الإعلامي على حساب الوطن الفلسطيني وعلى حساب الضغط الجاد باتجاه الوصول إلى الحل النهائي لهذه القضية العادلة، وقد حان الوقت للكف عن التلاعب بها.

كاتب إماراتي

6