يوليو 16, 2013

جديد الجعايبي: «تسونامي» إخواني يغرق تونس ويهدد اعتدالها

الفاضل الجعايبي في دائرة التساؤل حول عرضه الأخير

تونس- بالعودة إلى أجواء العرض الإستثنائي لمسرحية استثنائية في فضاء خاص، كانت الساعة تُشير إلى تمام السادسة مساء بتوقيت تونس/ الخامسة بتوقيت غرينتش من يوم السبت 6 يوليو/ تموز الجاري، أما المكان فهو دقة التابعة لمدينة تبرسق من محافظة باجة التونسية (108 كلم شمال غرب تونس العاصمة)، والحدث اختتام الدورة الثانية لتظاهرة دقة للمسرح 2013 التي تنظمها «جمعية كلنا تونس» (جمعية مواطنة من المجتمع المدني)، والعرض كما أسلفنا مسرحيّة «تسونامي» للثنائي التونسي الفاضل الجعايبي وجليلة بكار.

التجذّر في تقاليد المسرح الكلاسيكي، كان اختيار المخرج المسرحي التونسي- العربي والعالمي أيضا الفاضل الجعايبي في توقيت عرضه لمسرحية «تسونامي» بالمسرح الأثري بدقة، السادسة مساء بالتوقيت المحلي، يعني تجاذب عجيب بين إضاءة شمس النهار وقمر الليل وما للتوقيت من رمزيّة في تواصل بين الكلمات والأجساد مع الموقع وجمهوره.
تسونامي إخواني

في جميع مسرحيات الجعايبي التي تجاوزت العشرين على امتداد أربعة عقود من الإبداع الخالص، صاحب «غسالة النوادر» والعرس» و«عرب» مرورا بـ«العوادة»، و«فاميليا»، و«عشاق المقهى المهجور» وصولا إلى «جنون» و«خمسون» و«يحي يعيش»، كان وما يزال -إلاّ في عرض دقة الإستثنائي- يُوظّف الإضاءة في لعبة الإشعال والإطفاء، النور والعتمة، الإبهار والإبهام، ليعكس خوالج الأحاسيس وإنعكاسها على شخوصه المجسّدة لمتناقضات إنسانيّة حارقة، ثائرة، فارقة في طريقة الطرح والتصوّر الاستباقي دائما، الفاضل الجعايبي ذلك المُتكلّم دائما في زمن الصمت، المُباشر في زمن المُراوغة، المحلّق خارج السرب زمن السرب الواحد والرجل الواحد والزعيم الأوحد، -أو هكذا كان يُخيّل دائما لأباطرة الدكتاتوريات- كان في مسرحه موظّفا للضوء (بنوره وظلامه) ليحكي العتمة السياسيّة، والإبهام الثقافي، والخواء الإيديولوجي للطرح الحضاري البديل، ليأتي في عرض دقة بإضاءة ربانيّة كاشفة ومباشرة لتحرّكات الممثّلين وانفعالاتهم الحينيّة على الخشبة، فلا تقطيع ضوءي ولا هم يتوارون ويستترون بإطفاء الأنوار عند الفواصل.
سواد اللباس ونور الشمس في عرض إستثنائي لمسرحية إشكالية

الحكاية تُفسّر ربما هذا الإختيار الدراماتورجي للجعايبي، طرح مأساوي لتونس ما بعد ثورة 14 جانفي/ يناير 2011، بل تحديدا بعد انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2011، مع صعود التيار الإسلامي التونسي إلى سدّة الحكم، ليُصوّر الجعايبي بحسب طرحه، طبعا، تونس الذبيحة، تونس الشهيدة، تونس التي فُجعت بتسونامي إخواني وهابي، لا يُبقي ولا يذر، يُقرّر ويُجرّم ويُحرّم وفق ما يُريد ودون رقيب في انفلات أمنيّ غريب، أو ربّما بتواطؤ مع صنّاع القرار، أصلا؟

أتى الحوار مباشرا، خال من الإيحاء المُحبّذ في كل عمل إبداعي، جاف وخاو من المُواربة والمُراوغة، وكأنك إزاء نشرة أنباء تبثّك الخبر في حينه، دون تحليل لأبعاده ودوافعه، أنباء عن السيطرة، عن الهيمنة، عن السحل والاغتيال، عن الفكر الواحد لمُرشد واحد منه القرار وله الخيار، إمّا معنا أو تُسحق، طرح أحاديّ الجانب، قد يستقيم وقد لا يستقيم؟ تراجيدي، مأساوي إلى حدّ العدم في وضح النهار على مدى ساعتين من الزمن المسرحي للعرض، إلى أن ينتهي مع غروب الشمس، التي تُحيلنا إلى الزوال النهائي لمُجتمع مُتعدّد الايديولوجيات والسياسات بين يمين ويسار ووسط وما يتفرّع عنهم، تعود الدكتاتوريّة من جديد أكثر شراسة هذه المرّة بإسم الدين، فتُلغي كلّ ما سبق وربّما أيضا كلّ ما لحق، أو حاول الالتحاق بسيرورة التاريخ التي لا تعرف عدا المُضي قدما إلى الأمام في دحض للعودة إلى الخلف؟

جماليا، ما يُحسب للجعايبي في عرض دقة الاستثنائيّ يومها، ذلك الطرح الجمالي المُغاير والخارج عن المألوف والذي أتى عكس قانون الطبيعة: الشروق للألم والغروب للأمل، فحين ينتهي العرض كما بدأ بالنشيد الوطني التونسي رغم ما فيه من «كليشي» فاتر، فإنّه يُحيل بشكل أو بآخر إلى روح المُقاومة باسم الوطن هذه المرّة.
أحاسيس قاتمة

في المُحصّلة المسرحيّة وبجنوحها نحو إلغاء الإكسسوارات البصريّة في إضاءة ربّانيّة خالصة، جعلت العرض يأتي صادما، حالكا، ومأساويا إلى أبعد حد، فتُمحى تونس من الخارطة بتسونامي أسود اللباس والإحساس بالإختلاف، وهو طرح قوّضته إلى حدّ ما ثورة مصر الثانية في 30 يونيو/ حزيران 2013، فللشارع كلمة الفصل وهو الأصل، والسؤال هنا إلى أيّ مدى يُمكن لمسرحيّة الجعايبي أن تعيش في ظلّ حراك سياسيّ يتغيّر بين الساعة والأخرى؟ ثمّ لنفترض أن «تسونامي» الجعايبي أتت في غير هذا الزمان والمكان، هل تستقيم لها الكونية؟ والحال أنّ المسرح خطاب كونيّ مُجاوز للمكان والزمان أو لا يكون؟ الإغراق في المحليّة والمباشرة أسقط عن الجعايبي ولو لمرّة واحدة صفة العالميّة، ربما تحتاج المسرحية إلى قراءة ثانية حين تعرض في فضاء آخر؟.

مقالات ذات صلة
15