توحيدة بن الشيخ.. تكريم أول طبيبة في تونس والعالم العربي

الأحد 2013/12/08
ناضلت لتثبيت الوعي باعتماد التنظيم العائلي في تونس

تونس – حققت المرأة التونسية تقدما ملحوظا في جميع المجالات خاصة بالمقارنة مع نظيراتها في المجتمعات العربية الإسلامية، وذلك بفضل رائدات الحركة النسائية والمدافعين على ضرورة تعليم المرأة ورافعي راية المساواة رجالا ونساء، ولعل أبرز مثال على ريادة المرأة التونسية الطبيبة توحيدة بن الشيخ.

تم العرض الأول لشريط "نضال حكيمة" يوم الخميس 05 ديسمبر بدار الثقافة ابن رشيق في قلب العاصمة التونسية، وهو فيلم وثائقي يروي قصة حياة ونضال الطبيبة توحيدة بن الشيخ، تكريما لها واعترافا بمكانتها وبنضالها في سبيل النهوض بالمرأة التونسية والعربية.

الدكتورة توحيدة من مواليد 02 يناير عام 1909، توفيت عن عمر يناهز 101 سنة بتاريخ 06 ديسمبر 2010، هي أول تونسية متحصلة على شهادة الثانوية العامة عام 1928. نشأت الطبيبة ابن الشيخ في كنف عائلة ميسورة الحال، في منطقة فلاحية تسمى رأس الجبل تابعة لمحافظة بنزرت شمال العاصمة، ووالدتها من عائلة بن عمار إحدى العائلات التونسية الثرية والمناضلة؛ والطاهر بن عمار هو خالها وهو أحد أبرز المناضلين في مسيرة استقلال تونس من الاستعمار الفرنسي، كما أنه شخصية رئيسية في الحوار من أجل الاستقلال وقد أمضي قرار الاستقلال مع فرنسا في 20 مارس 1920.

طبيبة الفقراء أول امرأة تمارس الطب في العالم العربي

وبعد وفاة والدها تكفلت الأم بتربيتها مع شقيقيها وحرصت على تعليمهم ثلاثتهم دون تمييز بينها وبين أخويها، وحصلت التلميذة توحيدة على الشهادة الابتدائية عام 1922، ثم واصلت دراستها الثانوية في معهد "أرمان فاليار" بتونس العاصمة، حيث نجحت في الحصول على شهادة الثانوية العامة عام 1928، وكانت بذلك أول تلميذة تونسية مسلمة تحصل على هذه الشهادة.

توجهت بعدها إلى فرنسا لتتابع تعليمها الجامعي في دراسة الطب، وقد سجلت آنذاك لتحرز على الإجازة في الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا "P.C.B" وهو ما مكنها من الالتحاق بكلية الطب بباريس، وبعد ثلاث سنوات من السكنى بالحي الدولي للطالبات انتقلت لتسكن مع عائلة الدكتور بورني الطبيب والباحث الفرنسي بمعهد باستور بتونس، وهذا ما سمح لها بالتعرف على الأوساط الثقافية والعلمية الفرنسية.

وعام 1936، تخرجت من جامعة الطب في باريس (فرنسا)، وناقشت في السنة الموالية رسالتها للدكتوراه وعادت إلى موطنها حاملة معها شهادتها في الطب لتكون أول طبيبة تونسية وأول طبيبة في العالم العربي، وباشرت العمل بفتح عيادتها الخاصة، التي مثلت في ذلك الوقت مقصدا لضعاف الحال حيث تكشف عليهم الدكتورة مجانا.

وكان تخصصها في طب النساء والتوليد، وكانت من أوائل المساهمات في إطلاق تجربة التنظيم العائلي في تونس، وواصلت الريادة من خلال توليها عديد المناصب الإدارية في تخصصها حيث قامت بإنشاء قسم في مستشفى شارل نيكول بالعاصمة عام 1963 المختص في إجراءات التنظيم العائلي، وكانت قد تولت إدارة قسم التوليد وطب الرضيع، بنفس المستشفى، بين العامين 1955 و1964. بعدها تولت منصب رئيسة قسم التوليد وطب الرضيع، بمستشفى عزيزة عثمانة بتونس، وفي عام 1970 كانت مديرة الديوان الوطني للتنظيم العائلي.

أهم التواريخ في حياة توحيدة بن الشيخ
- 1909: يوم 02 يناير ولدت توحيدة بن الشيخ في تونس العاصمة.

- 1922: تحصلت على شهادة ختم التعليم الابتدائي.

- 1928: أول تونسية مسلمة تتحصل على شهادة الثانوية العامة.

- 1936: تخرجت كطبيبة من كلية الطب بباريس.

- 1937: ناقشت رسالة الدكتوراه ونجحت.

- 1937: مشرفة على مجلة ليلى أول مجلة نسائية تونسية ناطقة بالفرنسية.

- 1950: أسست جمعية القماطة التونسية للعناية بالرضع من العائلات المعوزة.

- 1955 إلى 1964: رئيسة قسم التوليد وطب الرضيع بمستشفى شارل نيكول.

- 1958: عضو في عمادة الأطباء التونسيين.

- 1963: أنشأت قسما يعنى بالتنظيم العائلي في مستشفى شارل نيكول بالعاصمة.

- 1965 إلى 1977: رئيسة قسم التوليد وطب الرضيع بمستشفى عزيزة عثمانة بالعاصمة.

- 1970: مديرة ديوان الأسيرة والعمران البشري.

- 1977: أحيلت على التقاعد.

- 2010: توفيت في 06 ديسمبر عن عمر يناهز 101 سنة.

وفي عام 1977، تقاعدت عن العمل، لتقدمها في السن، أما عن عملها الإنساني الاجتماعي فقد نشطت الدكتورة توحيدة بن الشيخ في عدد من الجمعيات بفرنسا وبتونس منها جمعية طلبة شمال أفريقيا المسلمين بفرنسا، كما دعيت لتلقي كلمة في مؤتمر اتحاد النساء الفرنسيات وقد تعرضت آنذاك إلى أوضاع المرأة المسلمة في المستعمرات الفرنسية، أما في تونس فقد نشطت في الاتحاد النسائي الإسلامي التونسي، وأسست جمعية الإسعاف الاجتماعي، وتولت رئاستها وذلك في فترة الحرب العالمية الثانية (1939- 1945)، وكانت هذه الجمعية وراء مشروع إقامة دار الأيتام ودار المرأة عام 1950.

وعام 1950 أسست جمعية القماطة التونسية للعناية بالرضع من أبناء العائلات المعوزة، وتوعية الأم وتثقيفها لتكتسب مهارات علمية وصحية في العناية برضيعها، كما شغلت منصب نائب رئيس الهلال الأحمر التونسي، وساهمت في تأسيس لجنة الإسعاف الوطني التونسية، في سنة 1958 أصبحت عضوا في عمادة الأطباء التونسيين.

كما ساهمت في العمل الصحفي وساهمت في البداية بالكتابة في مجلة "ليلى" الأسبوعية التي تعتبر أول مجلة نسائية تونسية صادرة باللغة الفرنسية، وتولت إدارتها عام 1937، حيث احتلت مكانة مرموقة كقلم ناجح فقد كتبت عديد المقالات الهامة التي شدت العديد من السيدات المتعلمات آنذاك، إلى أن تحولت المجلة إلى جريدة.

وفي زمن يعسر فيه حتى على الرجال الـتألق في الميدان الطبي والانخراط في جمعيات خيرية لمد يد المساعدة للمعوزين والفقراء تميزت الدكتورة توحيدة وتألقت وهي التي كانت تلقب بطبيبة الفقراء، فقد عرفت بعلمها الغزير وإنسانيتها التي ليس لها حدود، إذ كانت تقوم بمداواة الصغار والكبار مجانا في باب الجديد وباب منارة بالعاصمة، إلى أن عرفت بالعامية التونسية "بالطبيبة إلّي داوي بلاش فلوس" أي التي تعالج دون مقابل.

وليس بالغريب أن تنخرط الحكيمة توحيدة بن الشيخ في جمعيات ونقابات على غرار الانخراط في لجنة الدفاع عن الحقوق في تونس التي نشط فيها خيرة المناضلين السياسيين في تونس كالهادي نويرة وغيره، هذا إلى جانب مقاومتها العديد من الإشكاليات الاجتماعية مثل مسألة التنظيم العائلي من خلال قراءة شاملة لتحديد النسل منددة كذلك بظاهرة الزواج المبكر.

وفي ذات السياق تركت بصمتها في جمعية الإغاثة بعد الحرب العالمية الثانية من خلال مقاومتها رفقة مجموعة من النقابيين والحقوقيين عملية التمشيط في الوطن القبلي التونسي في الخمسينات، التي قام بها الجنرال "غرباي" حيث تعرضت العديد من الفتيات إلى عمليات اغتصاب..

وتوفيت أقدم وأول امرأة طبيبة في العالم العربي وعميدة الأطباء في تونس توحيدة بن الشيخ يوم السادس من شهر ديسمبر عام 2010، بعد أن فسحت المجال للمرأة التونسية والعربية لتبرهن عن قدرتها وكفاءتها في مجال صعب كالطب، وفي التعليم عموما وكذلك بعد أن برهنت للمجتمعات العربية الذكورية أن المرأة قادرة على خوض معارك العمل الجمعياتي الإنساني وقادرة على الدفاع عن حقوقها وحقوق مجتمعها.

20