قول اللحظة الراهنة في غياب الفيلسوف

الأحد 2017/07/09

منذ أن تجرع سقراط السم عقوبة بتهمة الفيلسوف الذي يفسد عقول الشباب بدأت معركة الفيلسوف مع الوعي. والحق إن منع الفلسفة من حق الوجود في بعض بقاع الأرض ليس مرده إلا إلى التهمة نفسها التي أودت بحياة سقراط، وإلى التهمة نفسها التي نفت ابن رشد وجعلت البابا يمنع تدريسه، والتهمة نفسها التي طردت إسبينوزا من الكنيس اليهودي.

للفيلسوف دائماً قول آخر يخدش المألوف والمعروف، ويفضح المستور ويكشف المكنون، الفيلسوف لا يؤمن ولا يعتقد، إنه يفكر فقط. لا مرجع له سوى عقله والواقع. يفرح بأخطائه بوصفها صوىً على دروب المعرفة، ولا يكشف معنى وجوده إلا بحريته، غريب ومغترب وساخر، يطل على العالم من برجه العاجي كي يرى كما يرى النسر فريسته وهو يتجول في الساحات ويسكن الكوخ في الغابة السوداء. حين لا تنبت أفكاره التي يبذرها في حقل الحياة تكون الحياة ذاتها جثة، وحين يبث فيها من روحه ما يحييها يكون قد آثر المنفى على الإقامة في الكهف.

عنيد هو الفيلسوف ما من مرة نزل كي يخاطب الناس بل يدعوهم للصعود إليه، ولأنهم غالباً ما يكرهون الصعود يهربون من ندائه شاتمين.

الفيلسوف يغضب ولكن لا يدخل في شجار، والنقد سناء من سناءاته، ولأنه لا يستعير قنديلاً من أحد في معركته مع الظلام يظنون بأنه يسير في العتمة ولا يرى، ولا يعلمون بأن ذاته قنديله.

الفيلسوف لا يغادر ذاته الفردة، ولا يُصاب بعدوى الجموع، ويكتب كي يعلم الذات الكسيحة المشي على الطرقات وحدها. ويمنحها بعضاً من نور عينيه كي تستطيع أن ترى ما وراء الخيالات والأشباح.

يمنح الفيلسوف اللغة طاقة جديدة من روح الحياة، وقدرة لم تعرفها على التعبير، ويزودها بمفاتيح المعرفة من المفاهيم التي نادراً ما تموت ولكن قد يصيبها بعض البِلى فيجدد من روحها بما لم يكن في حسبانها.

الفيلسوف المعمر الفريد على هذه الأرض، ويقع بعض الناس في الظن بأن غيابه موت، ولكن سرعان ما يعود بحلة جديدة مداداً لقلمٍ جديد. يعود مُكتَشفاً كما لو أنه كان يخفي شيئاً ثميناً وراء نصه.

الفيلسوف عقل العالم بلا منازع، لكنه عقل نهري منابعه لا تحصى، لا يغير مجراه ولكن يجدد ماءه بلا توقف، يمنح جداوله بكل ما أوتي من خصلة الكرم لكل الحقول العطشى، حتى إلى الصحارى. نهر مريض بداء ما يجب. ولن يبرأ من داء كهذا مهما طال به العمر ولم ير الذي يجب.

الفيلسوف يحب الحياة حتى لو حملته الحياة على أن يكشف عن اليأس والتشاؤم من أفعالها. إنما يكشف صور الموت دفاعاً عن الحياة.

وفي اللحظات التي ينفجر فيها الوجود الإنساني غاضباً من قيوده تكون أجنحة الفيلسوف قد رفرفت فوق الوجود هادية لطريق الحرية. إذ لا تقوم علاقة أصدق بين الكائن والحرية كما تقوم بين الفيلسوف والحرية.

الفيلسوف لا ينخرط بالقيل والقال والثرثرة والنميمة، أي بالوجود الزائف، بل يعش تجربة إبداع المفهوم الكلي المرتبط بأعم مشكلات الإنسان الكبرى: وجوده، مصيره، حريته، حضارته، اغترابه، أخلاقه وقيمه، جماله، وعيه، علمه، سعادته، ألمه، حبه، قلقه..

وَيْل لأمة خاوية من الفيلسوف، خواء الأمة من الفيلسوف خواؤها من العقل.

كاتب من فلسطين

11