الإنسان هذا الكائن الملول

الاثنين 2017/08/07

كيف يمكننا أن نتعايشَ ودّيًّا مع مناخ المكان الذي نقيم فيه؟

كيف نغفر له جنونه وتقلباته أو بطأه وركوده؟

ربما يمكننا ذلك أحياناً وليس في جميع الحالات. فنحن لا يسعدنا أن يكون المناخ ثابتاً طوال الوقت. وكأننا، بذلك، ننتظر ما لا يجيء: أعني فصلاً خاصاً بنا. خفيفًا لا يطيل المكوث. لا يسرع في الرحيل من حيث جاء. لا يسير على إيقاع واحد، مصمماً لمزاج شديد التحول وعصيّ على الثبات. هكذا نحن كما يبدو: ملولون، جزعون، هلعون، دائماً. قد نحبّ مناخاً معيناً على ألّا يطيلَ الإقامة، وقد نتمنى رحيله شريطة ألاّ يغيبَ طويلاً. وموقفُ بعضنا من الطقس شبيهٌ، إلى حدّ ما، من موقف البعض الآخر من علاقة الحب أحياناً.

وقد صور الشاعر سعدي يوسف، خصلة الملل هذه، في قصيدة قصيرة له. قرأتها منذ زمن طويل. لم أحفظها، لكنها لا تزال عالقة إجمالاً بأطراف الذاكرة. القصيدة، ككل شعر جيد ومتقن الصنع، كأنها مكتوبة لنا جميعاً. فكرة صغيرة، بل حقيقة موجعة كالحياة، نعيشها أو تعيش فينا، كل لحظة دون أن نفطن، ربما، إلى ما فيها من لذةٍ ومرارةٍ في ذات الوقت:

العشيقةُ حين تكونُ البعيدَ تحنُّ إليها

وحين تكونُ لديهاتمَلُّ

أهذا هو الكونُ ضوءٌ وظلُّ؟

حين قرأت هذه القصيدة لأول مرة أحسست أن لها جمالاً خاصاً. فهي قصيرة وصافية، وتنتهي بخلاصة كونية مكثفة، لكنها مشوبة بحزن شديد القسوة والهدوء في آن واحد. وربما جاءت خصوصية القصيدة من هذه النقطة بالذات. وإذا كان سعدي يوسف قد لامس هذه الخاصية في نفس الإنسان، هذا الكائن القلق المتحوّل وكثير الالتفات، فإن شاعر الغزل العذري، جميل بثينة، قد فعل الشيء نفسه من منطلق آخر، أشدّ ذاتية وأكثر دلالة على ذلك النزوع الذي يستعصي على الثبات والتماسك:

يموتُ الهوى منّي إذا ما لقِيتُها

ويحيا إذا فارقتُها فيعودُ..

والشاعران، كلاهما، لا يلجآن الى حالة فردية مخصوصة، أو تجربة محددة. بل يكشفان، من خلال استخدامهما للفعل المضارع تحديداً، عن الثابت من طبيعة التقلّب لدى البشر، التي يصح اعتبارها مشتركاً إنسانياً عاماً.

وغير بعيد عن سعدي يوسف وجميل بثينة، يرصد شاعر رقيق آخر، أبوصخر الهذلي، الحالة نفسها ومن منظور أشد اتصالاً بذاتين يصهرهما خطاب المحبة، لا عبر ضمير الغائب كما في النموذجين السابقين، بل من خلال حرارة اللغة وراهنيتها، ليتصاعد الضميران في فعل الخطاب، لوعة تتدفق بين التلهف والصدود، الهجر والزيارة. ويأتي بناء الفعل للمجهول واستخدام الحرف”حتى” لانتهاء الغاية، ليؤكد حالة النفس وما يحتدم فيها من تضاد في الأهواء والمزاج والرغبات:

هجرْتُكِ حتى قيلَ لا يعرفُ الهوى

وزرتكِ حتى قيلَ ليس له صبرُ

يقف أبوصخر الهذلي، أمام حبيبته، ليكشف لها عن تلاطم نواياه وارتداد أفعاله إزاءها. لحظة اعترافية نادرة ينقلب فيها الشاعر المحبّ على تعلّقه بالمرأة التي يحب وعلى صدوده عنها أيضاً. شرخ لا يمكن التئامه، في لحظة يكون فيها المحب، أو يفترض أن يكون، في أكثر لحظاته تناغماً مع ذاته وانسجاماً مع خياره الإنساني االحرّ والمبرأ من أيّ إكراه.

شاعر عراقي

14