العجز عن الكتابة

الثلاثاء 2017/08/08

ما من أحد يستطيع أن يجيب عن السؤال بدقة: من أين تأتي للشخص موهبة الكتابة؟ أقصد الكتابة بوصفها إبداعا. والكتابة بوصفها إبداعا هي نوع من التعبير عن الذكاء العالي الذي توافرت له شروط أسروية واجتماعية وتعليمية، لكن قولا كهذا عام جدا لا يجيب عن سؤال مصدر الموهبة أثناء الكتابة الإبداعية.

نستطيع أن نتحدث عن صور العجز عن الكتابة عند عدد كبير ممن يُظن بهم أنهم قادرون عليها، فلقد وُصف أستاذ الفلسفة الجامعي القدير جدا، وصاحب أحد أهم الرسائل الفلسفية التي نال بموجبها درجة الدكتوراه من سويسرا بديع الكسم بأنه الفيلسوف الصامت، ولا أحد يدري كيف يمكن وصف المرء بفيلسوف إذا كان صامتا، فهو ما خلا رسالة الدكتوراه هذه وبعض المقالات النادرة، انقطع عن الكتابة حتى رحيله. وعندما سألته “لماذا لا تكتب؟”، أجاب “لمن أكتب؟”، طبعاً لم يقنعني جواب كهذا، فالكتابة هاجس داخلي لا يستطيع أن يبقى مأسورا في عقلٍ صامت.

وقس على ذلك حال الأستاذ الجامعي والصديق نايف بلوز، فقد كان هذا الأستاذ القدير جدا أيضا ذا قدرة شفاهية عجيبة على عرض الأفكار وإنجاب القناعة بآرائه، فضلا عن معرفته الواسعة والعميقة بتاريخ الفلسفة ومشكلاتها، وهذا يعني أن توافر المعرفة والإطلاع والقدرة الشفاهية على عرض الأفكار لا تنتج قدرة على الكتابة، أو إن أنتجت الكتابة في مرحلة لا يعني أن يستمر صاحبها، فقد يصيب الكاتب عقم لاحق.

وهناك نمط من العجز عن الكتابة هو الكتابة التي لا قيمة معرفية أو جمالية لها، وهي كتابة غالبا ما تكون نوعا من التقميش من هنا وهناك، وعرض نصوص في كتاب، أو الاتكاء عليها لإنتاج كتاب مليء بالإحالات التي ما أنزل الله بها من سلطان، والمنتمون إلى هذا النمط يعانون من شهوة الحضور عبر الكتابة ويمارسونها دون أن تتوافر لديهم العدة الضرورية: المعرفة والموهبة، وهؤلاء جمع كثير.

وهناك العجز عن الكتابة الذي يظهر في صورة الاتكاء على نصوص الآخرين والقيام بعملية عرض ونقد وشجار دون إضافة أية فكرة مضيئة أو إغناء مفهوم وتوسيع دلالاته أو إعطائه دلالة جديدة.

ويقود الطابع السجالي والشجاري لهؤلاء إلى شهرتهم لدى الجمهور العام المولع عادة بالمعارك بمعزل عن وجاهتها، ومن أشهر هؤلاء المنتمين إلى هذا النمط العاجز علي حرب وجورج طرابيشي وما شابههما.

أما الصنف الأوسع من العجز عن الكتابة، فهو الكتابة التي ينشغل أصحابها باليومي المبتذل والتي لا يتجاوز عمرها اليوم التالي لظهورها، أو كتابة من يتناولون بالقدح والذم هذا الممثل أو ذاك، أو من يمدحون طمعا في مصلحة ما، وهؤلاء تمتلئ بهم الصحف اليومية عادة فهم عدتها الضرورية لملء الصفحات.

وهناك الكتابة الاستظهارية، وهي مظهر فاقع على عجز الكتابة، ونماذجهم الكتاب من شيوخ الدين بعامة الذين يكررون قولا مكررا لمئات السنين، أو كتاب التراث الذين ازدهروا في مرحلة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي.

والنوع الأخير من عجز الكتابة، هو الذي يمكن تسميته بالكتابة الإملائية، وهي الكتابة المباشرة التي تمليها الأحداث على الكاتب، فينقلها دون إحداث أي أثر فيها، وغالبا ما يكون بعض كتاب القصص والروايات نماذج واضحة لمثل هذه الكتابة الإملائية، وهو ما أطلقنا عليهم في مقال سابق كتاب السوالف.

وإنها لمفارقة أن تكون الكتابة تعبيرا عن العجز عن الكتابة، وغالبا ما يكون العاجزون عن الكتابة ذوي نزعة عدوانية تجاه نقائضهم من الكتاب، إلاّ ما ندر.

كاتب فلسطيني مقيم في الإمارات

14