ليبيا: مؤشرات إيجابية على خط الحل رغم محاولات التشويش

الخميس 2017/08/10

تفيد مؤشرات كثيرة بأن الأزمة الليبية قد دخلت منذ منتصف هذه السنة مرحلة نوعية من مراحل البحث عن حل سياسي يحظى بتوافق أوسع أطرافها على قاعدة نتائج جولات المشاورات والحوار الداخلي ومع الخارج خلال السنتين الأخيرتين من جهة، ونتيجة التوافق المبدئي والعملي الذي يرتسم في الأفق بين قطبي الأزمة في البلاد من جهة ثانية والذي يمكن أن يتحول إلى قاعدة فعلية للحل السياسي الشامل يضع حدا لأزمة دامت حوالي سبع سنوات، ويمكن الوقوف عند خمسة منها:

المؤشر الأول جاء بتعيين غسان سلامة مبعوثا جديدا للمنظمة الـدولية إلى ليبيا بدلا مـن مارتن كـوبلر في شهـر يونيو المـاضي بعد نقاشات ومشـاورات بين منظمة الأمـم المتحدة وبين أطراف الأزمة الليبية، وبينها وبين الدول الإقليميـة ذات التأثير على مجريات الأزمة على طريق تخفيف مفاعيلها كما على صعيد تأزيمها بحثا عن شخصيـة تحظى بدعـم الدول العظمـى والأمـم المتحدة، كما تحظى بموافقة أطـراف الأزمة التي يُنتظر منها أن تتعامل معه بصورة إيجابية على عكس ما كان عليه الوضع مع مارتن كوبلر ومن سبقه إلى تمثيل الأمم المتحدة لدى ليبيا للبحث عن الحلول.

المؤشر الثاني يجد صداه في اللقاء الذي جمع قبل شهور في أبوظبي بين فايز السراج رئيس المجلس الرئاسي المدعوم من قبل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بالمشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي الذي نال ثقة عدد هام من الدول الإقليمية، كما حظي بتأييد مطلق من حكومة شرق ليبيا ومن مجلس النواب لتذليل الصعاب عبر خلق أجواء من التواصل الإيجابي بين الطرفين، باعتباره الشرط الأساسي الأول لتدارس عميق للأزمة خارج ضغط أجواء التوجّس وانعدام الثقة الذي كان السبب في إفشال مختلف الجهود المبذولة في السابق، وحال دون نجاح الوساطات بما في ذلك ما كان يبذله المبعوث الأممي إلى ليبيا من جهود ومساع.

المؤشر الثالث يفصح عنه لقاء ضاحية باريس بين السراج وحفتر والـذي تـوج ببيان أشبه بمسـودة خـارطة طريق للحـل منه إلى مجرد بيان يسطّر عددا من التفاهمات حول محاربة الإرهاب والحفاظ على سيادة واستقرار البلاد. وكان لرعاية فرنسا لهذا اللقاء دور لا يستهان به في إنجاح اللقاء، كما كان لحضور المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة أثر هام في إعطاء إشارة واضحة لمختلف أطراف الأزمة الليبية بأن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي على درجة كبيرة من الجدية في التصدي لهذه المشكلة التي لـم تعد مجـرد قضية ليبية فحسب، وإنما من صميم الاهتمام الدولي ومصـدر قلق حقيقي على أمـن المنطقـة واستقرارها، كما على انعكاسات ذلك على الوضع الدولي لجهة انتشار الإرهاب وتصاعد موجات الهجرة إلى أوروبا وغيرها من المناطق التي أصبحت تـرى في تدفق المهاجرين إليها خطرا داهما لم يعد ممكنا التعايش معه كدول منفردة ومجموعات دولية.

المؤشر الرابع يتجلى في بدء المشاورات بين مختلف أطراف الأزمة مع المبعوث الأممي وزيارته إلى طرابلس السبت الماضي، وهو ما أعطى الدليل الملموس لمن كانت تخامره بعض الشكوك حول جدية الموقف بعد لقاء باريس بأن سلامة يمتلك من التفويض الدولي ومن الإرادة السياسية ما يمكنه من مواجهة الأزمة في صميم مشكلاتها، مع الحرص على التأكيد على أن تحركه يندرج ضمن منهجية تحترم سيادة ليبيا ووحدتها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهي رسالة طمأنة كان لا بد منها ربما للأطراف التي ترى أن التركيز في جهود حل الأزمة على محصلة التوافقات بين السراج وحفتر قد يحمل في طياته نوعا من عدم أخذ مصالح الأطراف الأخرى بعين الاعتبار.

وجاء هذا التأكيد من قبل المبعوث الأممي لإزالة أي لَبْس ممكن على هذا المستوى بتأكيد أن اللقاء بين سلامة والسراج انصب على ضرورة توفير الشروط اللازمة لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية العام المقبل، ولا يعقل أن تكون هذه الانتخابات جزئية وإنما ينبغي أن تشمل جميع مناطق البلاد، لتكون أساس بناء الدولة المدنية الديمقراطية على أنقاض تنازع الشرعيات الحالي بين ما يشبه كيانات مستقلة مؤداها النهائي إبعاد زمن الحل بغض النظر عن نوايا هذه الجهة أو تلك.

أما المؤشر الخامس، وهو مؤشر ليس أقل أهمية من المؤشرات السابقة، فهو أزمة قطر مع دول الخليج العربي، التي لا تترك لها أكبر هامش للتحرك على المستوى الليبي حتى وإن كان هناك ما يغريها لمحاولة عرقلة جهود الأمم المتحدة، فإن موقف الأطراف الأساسية الداخلية والإقليمية المشككة في أدوارها لن يترك الطريق سالكة أمامها لنسف جهود المصالحة.

غير أن هذا لا يمكن أن ينفي أن هناك محاولات للالتفاف على التوافق بين السراج وحفتر قد بدأت، وأن هناك من يحاول نسفه من خلال تفجير الوضع الأمني من جديد في بنغازي.

ففيما يتعلق بمحاولات الالتفاف على الاتفاق يمكن الإشارة إلى الرسالة التي بعث بها عضوا مجلس الدولة منصور الحصادي القيادي في حزب العدالة والبناء وحسن إستيتة السبت الماضي إلى الأمم المتحدة عبر غسان سلامة والتي تنص على أن -ما أسمته الرسالة- الحصار على درنة الذي تفرضه “الميليشيات الخارجة عن القانون”، في إشارة إلى الجيش بقيادة حفتر الذي يحارب الإرهاب، دليل على عدم أخذ الدروس من الواقع الجديد.

إن محاولة اغتيال أحد زعماء القبائل المـؤيدة لخليفة حفتر في بنغـازي مـرتين خلال أربعة أشهر لا تنّم عن إصرار الجهة التي وراء العمليتين الفاشلتين على إبعاد الرجل من المسرح السياسي الليبي فحسب، وإنما تنم أيضا عن مراهنتها على إفشال مسـاعي القطبين الأساسيين في الأزمة (خليفة حفتر ومن يؤيدونه وفايز السراج ومن يمثلهم) لإيجاد حل للأزمة خاصة بعد تسارع وتيرة مساعيهما مع المساعي الإقليمية والدولية في هذا المجال.

كاتب مغربي

9