إنجاب الدهشة

الثلاثاء 2017/08/15

تكدر خاطر بعض قراء مقالنا “العجز عن الكتابة” من إدراجنا الكاتب جورج طرابيشي والكاتب علي حرب في عداد الكتاب المتكئين على غيرهم في ما يكتبون. وفِي هذا الصدد نقول: اشتق الناس من الفعل كتب مفهوم الكاتب، هذا في العربية والروسية والإنكليزية.

الكاتب بوصفه تجريداً لكل أنواع الكتابة الصانعة لنص الشاعر والقاص والمسرحي والمفكر والفيلسوف والصحافي. فالكاتب جنس وأصنافه فصول نوعية، تماماً كالكتابة وأنواعها.

الكتابة بوصفها إبداعاً مختلفة عن الكتابة بوصفها تقميشاً ونقداً وتأويلاً وإملاءً وجمعاً وعرضاً وشرحاً ووصفاً وابتذالاً. يمكن لكاتب أن يجمع بين صنفين أو أكثر من الكتابة، ويمكن لكاتب أن يكتفي بصنف واحد، وهكذا.

وفي كل أحوال الكتابة فإن تاريخ الكتابة لا يحتفظ إلا بجزء ضئيل من المكتوب، وهو الجزء الذي يتمتع بصفة الإبداع الذي أتى بجديد على الصعيد الفكري والجمالي. وما جعل الكتابة موضوعاً للدرس والتأمل والنظر إلا الدليل على عزة الكتابة وعلو شأنها في حياة الإنسان والأمم.

يقول المتنبي:

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي

وأسمعت كلماتي من به صمم

أنام ملء جفوني عن شواردها

ويسهر الخلق جراها ويختصم.

أيهما المبدع: الشاعر أم الذين يختصمون حول معاني قصائده وتأويلها؟ لا أحد باستطاعته الإجابة إلا بالقول: بل المبدع.

ما الذي جعل المتنبي شاعراً مبدعاً؟ الصورة الشعرية الجديدة والفكرة الألمعية المبثوثة في شعره. فما زال المتنبي يحتل في الذائقة الشعرية العربية المكان الأرأس، فيما لم يحصل أكبر الشعراء الحديثين كشوقي، على مثل هذه المكانة، رغم أنه حصل على لقب أمير الشعراء، هذا يعني أن المتنبي حافظ على أصالته الإبداعية حتى هذه اللحظة وعلى قدرته على إنجاب الدهشة لدى كل قرائه من الأجيال اللاحقة، فيما عجز شوقي عن ذلك.

وقس على ذلك المعري، فإذا إبداعه الفكري الممتزج بشاعريته جعله حاضراً إلى هذا الزمن وموضوعاً لدراسات كثيرة وهو القائل:

“إني وإن كنت الأخير زمانه لآت بما لم تستطعه الأوائل”. لم يسبق أحد في تاريخ الكتابة أن كتب على غرار “رسالة الغفران”. وقد ظن نقاد، وبعض الظن ليس إثماً، أن دانتي قد أخذ صورة الكوميديا الإلهية عن أبي العلاء. وقس على ذلك في النظر إلى تاريخ الشعر العربي والعالمي، وإلى تاريخ الرواية والمسرحية.

أما تاريخ الإبداع الفكري- الفلسفي فالأمر أوضح لأن الإبداع هنا أصعب من تاريخ الإبداع الجمالي وأندر.

جاءت في محاضرات هيغل حول تاريخ الفلسفة محاضرة بعنوان “شرّاح أرسطو”. ويقصد بشراح أرسطو ما نصطلح على تسميته بالفلسفة العربية الإسلامية- الوسيطة. ولهذا أطلق العرب المسلمون عليه لقب المعلم الأول. فإذا لم يكن الكندي والفارابي (المعلم الثاني) وابن سينا وابن رشد وابن باجة وابن طفيل… أكثر من شرّاح لأرسطو، فماذا نقول عن شرّاح شرّاح أرسطو؟ كحسين مروة والجابري؟ وماذا نقول عن شرّاح شرّاح شرّاح أرسطو أو نقادهم؟

كاتب فلسطيني مقيم في الإمارات

14