باعة اللذة المحرومون

الاثنين 2017/08/28

كنا نظنهم معروفين في قريتنا والقرى المجاورة فقط. فمن أين لنا أن ندرك، آنذاك، أن هذه الجماعات التي تجوب العالم تائهة مشتتة، هم مواطنون عالميون. يمتهنون التشرد أو الغناء والرقص، أو بيع اللذة، أو اللصوصية أحياناً. لهم وطن شاسع ومليء بالحرمان، يمتد من الصين وجنوب شرق آسيا والهند وإيران إلى أميركا مروراً بأوروبا الشرقية والغربية، حاملين معهم أساطيرهم وغربتهم وأغانيهم، ومعتقداتهم الغريبة، في الموت والحياة والولادة، وفي تفسير تشردهم من مكان إلى آخر، تكفيراً عن جريرة جدهم الأعلى الذي قتل أخاه فحكمت عليه الآلهة وعلى أبنائه بالتشرد مدى الحياة.

وفي قرانا لم نكن نعرف عن الغجر شيئاً، فهم غامضون مهمّشون، لكنهم مطلوبون في مواسم معينة. كنا نراهم فقط عند قدوم الربيع. وكأنهم مظهر من مظاهر الطبيعة. فهم إخوان الكمأة حين تستجيب لنداء الرعد في الخريف، وهم أصدقاء طيور القطا حين يجيئون متلهفين في مواسم الحصاد.

في القرى، كنا نحس أن للربيع مذاقاً خاصاً تماماً؛ والغجر جزء من هذا المذاق، وعلامة من علامات هذا الفصل الذي لا يدخل قرانا خفية، بل نراه في كل شيء: في حفيف الشجر المنتشي بطراوته، في الحقول العريضة وهي تتموّج تحت الريح وكأنها أفق من السنبل الممتلئ. في الغجر الذين يبدأون في التوافد على الحقول لمعاونة الفلاحين في جمع الحاصل لقاء أجر، وممارسة عدد من الأعمال الأخرى التي تكون أحياناً أكثر ربحاً وإمتاعاً.

وكنّا نحسّ الربيع أيضاً، بعنف في كلّ ما يحيط بنا: صداح الطيور الذي يتناهى إلينا من كل مكان، قطعان الماشية وهي تتحرّك في شتّى الاتجاهات أو تحتكّ ببعضها بعضاً بمرح وهياج واضحين، السواقي الطافحة بالماء، والجوّ المعبّأ برائحة الحصاد الوشيك، والعشب الطالع من الشقوق.

حين يقترب موعد الحصاد، أومع بدايته تماماً، ينصب الغجر في طرف بعيد من القرية، خيامهم المنسوجة من الشَّعر في الهواء الطلق. ويبدأون العمل مع الفلاحين في جمع المحاصيل، وممارسة حياتهم الغريبة، وعاداتهم الأشد غرابة بتلقائيّة تبعث على الدهشة والفضول حقاً.

كان وجودهم، الذي لا يطول كثيراً في العادة، يثير البهجة والحيويّة في القرى المجاورة كلّها. كانوا يعملون في صناعة الخناجر، ويتفنّنون في صناعة مقابضها من العاج، أو الفضة المرصّعة بالأحجار الكريمة. وكانوا، أيضاً، يصوغون الأسنان الذهبيّة للنساء. انتقالة غريبة، غرابة حياتهم، بين أدوات القتل ووسائل الإغراء، بين خشونة الرجل وجاذبيّة المرأة.

وتظلّ هناك ذروة المتع الحسيّة وأشدها خفاءً: جسد المرأة. متعة لها طقوسها، وأوقاتها، وطالبوها. ومشهد لا يمكن تصديقه: ينبري الرجال للعزف بينما تندفع النساء إلى الغناء، والرقص، ومعابثة الرجال بأكثر الحركات إثارة. قد يعزف الغجري حتى تدمى أصابعه لامرأة تتلوّى بجسدها أمام الليل والأحداق الملتهبة. يفعل الغجري ذلك ليهيء هذا الجسد الأنثوي لأكثر الجالسين شراهة أو أكثرهم قدرة على الدفع. وقد تكون هذه المرأة، في الغالب، ابنته، أو شقيقته، أو زوجته!

وحين يجمع الغجر خيامهم الرثّة في نهاية الموسم، ويرحلون بنسائهم وذكرياتهم وآلاتهم الموسيقية البسيطة، نحسّ كأن شيئاً ما في حياتنا قد انطفأ فجأة: كنّا نراهم يبتعدون، متجهين إلى جهة مجهولة تحجبهم عنا الريح والليل والغبار، لتعود قريتنا شيئاً فشيئاً إلى حياتها السابقة وإيقاعها اليومي المألوف.

أمر واحد شديد الغرابة، كان يحدث دائماً، وما زلت لا أجد له تفسيراً: لا أذكر أنني، أو أحداً من أقراني، قد صاحب طفلاً غجرياً، أو جالسه في حقل أو طريق. هل كان الغجر كلهم يولدون كباراً؟ هل كان آباؤنا يمنعوننا من مصاحبتهم لأنهم غجريون، أم أنهم، أي الغجر، هم الذين كانوا يأنفون من صداقة كهذه؟ كم يحزنني أننا لم نكن نرى فيهم إلا بشراً عابرين: يصنعون البهجة والبشاشة لسواهم، ثم يذوبون، بعد ذلك، في الريح أو في الظلام، دون أن يترك غيابهم هذا جرحاً في ذاكرة أحد.

شاعر عراقي

14