قول في المبتذل

الثلاثاء 2017/08/29

عرّف اللسان العربي المبتذل بقوله:

أسلوب مبتذل / كلام مبتذل / تعبير مبتذل : تافه، فَقَدَ طرافته وقيمته بسبب كثرة الاستعمال، – ابْتُذِل فلانٌ: ترك الاحتشامَ والتَّصوُّن وتدنَّى في سلوكه، – حياة مبتذلة: لا سموَّ فيها ولا مثاليّة، – فكرة مبتذَلة: متداولة، – نكتة مبتذلة: تخدش الحياء. وهذا يعني أن النقيض للمبتذل هو المبدَع والجديد والأصيل والرقي والسمو.

كم يكون الأمر متعبا في الحياة اليومية أن تمضي عمرك الواعي هاربا من المبتذل والمبتذل يلاحقك دون كلل. ولا يمكن الخلاص من حضور المبتذل في الحياة اليومية، لأن البشر غالباً ما يحبون المتكرر والمألوف، وهذا أمر من طبيعة الحياة. ولكن أن يحضر المبتذل في الكتابة بأشكالها والفن بأنواعه فهذا دليل ساطع على اعتداء بعضهم على ما من طبيعته التجدد والتجديد.

في الشعر ليس المبتذل الالتزام بالبحر والقافية، فهذا أمر يعود إلى نمط من شكل الشعر الذي مازال قوي الحضور على الرغم من شيوع قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، بل المبتذل في نمط الشعر التقليدي هو في الصور التي مازالت تتردد على لسان الشعراء الذين يقتفون أصحاب المعلقات، وفِي سلطة القافية التي تتحكم في البيت الشعري فتفرض كلاماً لا يستقيم مع روح القصيدة. والكلام العادي الموزون والمقفى هو ابتذال. فمازال بعض الشعراء التقليديين يستخدمون كلمات: غصن البان وعيون الغزال والليل والقمر والشمس والنجوم والبحر في وصف المرأة، ناهيك عن شعراء يستخدمون قصص حبهم واللوعة والهجر والشوق والغدر والخيانة بصور مباشرة.

والمتأمل في الشعر الوطني التقليدي يجد العجب العجاب من الابتذال في الفخر والقدح والمدح ونادراً ما تستثني أحداً من شعراء القصائد العصماء من هذا الابتذال. وحدّث ولا حرج عن شعراء الحكمة التي هي أبشع صور الابتذال. في كلا الحالين نحن أمام التقليد، والتقليد تكرار، والتكرار ابتذال.

ولا يحسبن المرء أن الابتذال وقف على شعراء التقليد فقط بل كل كاتب يسرد حياته الخاصة وانطباعاته وذكرياته التي لا تعني أحداً على أنها من قبيل الأدب الروائي إنما يكرر اليومي المعروف غالباً لدى الناس، وهذا نوع من الابتذال، فضلا عن أن تلك النصوص المثقلة بالمراجع والإحالات التي تؤكد فكرة هي في الأصل مبثوثة فيها، دون أن تضيف هذه البحوث جديداً هي بحوث مبتذلة.

ولنتأمل شخصاً يكتب كتاباً في التاريخ لا يختلف ما جاء فيه عما قاله الطبري في سفره الكبير!

وقس على ذلك كتب الفقه المعاصرة التي تردد ما جاء به الفقهاء في القرون السابقة.

لا يمكن للكتابة أن تتحرر من المبتذل إذا لم تتحرر من التكرار والعادي والتقليد، وهذا لن يتأتى إلا إذا انطلق الكاتب من الهاجس العميق لقول جديد تبرز فيه شخصيته المختلفة عن أسلافه أو معاصريه.

تتطلب كل أنواع الكتابة من الكتابة الأدبية إلى الكتابة الفلسفية إلى الكتابة التاريخية والمعرفية موهبة وشكاً وقتلاً للسائد وعمقاً معرفياً وتحويل المعرفة المتراكمة إلى كيف جديد من الجمالي والمعرفي.

ولسائلٍ أن يسأل: ألا يمكن لتجربة الفرد الذاتية بوصفها سيرة ذاتية أن تتحول إلى نص بديع؟

ممكن جداً إذا حول التجربة إلى معنىً كلي وهذا نادر.

أما السؤال: هل على الكاتب أن يأخذ بعين الاعتبار القارئ وهو يكتب؟ الجواب طبعاً لا، ولا كبيرة أيضاً. صحيح أن الكاتب يكتب وينشر ليقرأ ولكن ليقرأ ما يريد الكاتب من قارئه أن يقرأ ولا يكتب ما يريد القارئ أن يقرأه.

كل نص لا يشكل مفاجأة لدى القارئ أو لا يخلق الدهشة، أو لا يضيف فكرة، أو لا ينتج متعة فريدة لدى المتلقي هو نص يولد ميتاً، لأنه يولد مبتذلاً.

كاتب فلسطيني مقيم في الإمارات

14