الكتابة والنميمة

الاثنين 2017/09/18

ما الذي يجمع بين النميمة والوتر؟ أو بينها وبين الصوت الخفيّ من حركة الريح، أو الصوت الخفيّ من حركة الشيء؟وأخيراً، وهو الأمر المثير للدهشة حقاً، هذه الوشيجة غير المتوقعة بين النميمة وفعل الكتابة بل وصوتها تحديداً؟

حزمة من المعاني، في القواميس العربية، تتفرع من كلمة النميمة. ولم يكن يخطر في البال أن لكلمة النميمة هذا العنقود المتراصّ من المعاني التي قد لا يجمع بينها جامعٌ للوهلة الأولى، لكن معاودة النظر إليها ستفضي إلى فضاء أوسع مما كنا نظن.

لم يكن يعرف الناس، باستثناء المتخصصين باللغة تحديداً، من هذه المعاني إلاّ معناها الشائع والمشين: الوشاية. تلك كانت أكثر معانيها شيوعاً وأكثرها ربما سلبية، فهي كلمة تنطوي ضمناً على معنى ازدرائيٍّ وتحقيريٍّ واضح.

وحين نتأمل المعاني السابقة لكلمة النميمة نجدها جميعاً تستند إلى أرضٍ دلاليةٍ مشتركة. ولو تخيلنا قوساً يبدأ بكلمة النميمة وينتهي بمعناها الأهم هنا وهو الكتابة، فإن المعاني الأخرى تتماس جميعاً مع جانبٍ أو آخر من هذا المعنى الأهمّ.

فإذا كانت النميمة هي الصوت الخفيّ من حركة الريح أو حركة شيء ما، فإنّ للكتابة معنىً لا يقع بعيداً عن هذا المعنى. أليست الكتابة هي فعل من أفعال النميمة أو الوشاية بالمعنى الجميل للكلمة؟ هي نميمة لأنها تنمّ عما في داخل النفس، وهي وشاية لأنها تشي بمكنونها الكامن الخفيّ، فتشيعه، وتطلقه من الخفاء إلى العلن. تخرجه من ظلمته المحمّلة بالمعاني إلى نهار التأويل أو التفسير، الصحيح منه والمغرض على حدّ سواء.

والنميمة، في معنى آخر من معانيها، هي الوتر، فكأنها شريكته في إخراج الخفيّ من الأنين الغافي، أو الحنين المكتوم في آلة العود. تلك الآلة التي لا تكون، في غياب الوتر، أكثرَ من خشبةٍ هامدةٍ تكتظ بالتأوّهات المؤجلة إلى حين.

وحين نتوقف عند كلمة النميمة مرة أخرى، فإنها تعني في المعجم العربي “نقل الحديث على وجه الإفساد والوقيعة بين النَّاس”. ها نحن ثانية أمام معنى الكتابة، أمام وظيفتها تحديداً. النميمة بمعناها الشائع هي الإفساد بين الناس، فهل للكتابة مثل هذا المعنى دائماً؟ لا شك في أن وظيفتهما، رغم الفارق النوعيّ بينهما، تكاد تكون واحدة. وتتجلى في شِقّين: نقل الحديث أولاً، ثم الإفساد بين الناس ثانياً مع التحفظ على هذا المعنى مؤقتاً. وبما أن الحديث شكلٌ من أشكال التعبير فإن تناقله يتم شفاهياً في الغالب. غير أن الشفاهية ليست شرطاً محتماً أو دائماً من شروط النميمة. فقد كانت النميمة نشاطاً شفاهياً حين كان الأدب في مرحلةٍ شفاهيةٍ من تاريخه.

لكن اللقاء بين النميمة والكتابة، بفعل التدوين، أكسبها شكلاً كتابياً، فصارت أطول عمراً وأشد فتكاً أيضاً. فحين كانت النميمة تسري بين الناس بطرقٍ شفاهيةٍ محضة كان عمرها قصيراً لأنها عرضة للنسيان، أو التآكل، كلياً أو جزئياً. وكان النسيان أو التآكل يفضي بها إلى النهاية، أو يلحق بها تشويهاً يخفّف من كثافة ما فيها من لؤم أو إيذاء.

لا أظن أن النميمة والكتابة تتطابقان في وظيفتهما تماماً. لكن معنى الإفساد كامن في العمق من كلتيهما مع اختلاف في طبيعته. فالإفساد الذي تحدثه النميمة بين الناس يكون أخلاقياً واجتماعياً في المقام الأول، وعلى نطاق ضيق، وهو ذميم بكل المقاييس، أي أنه تخريب لما استقر بينهم من عرف أو قيمة، أما الخراب الذي تحدثه الكتابة فهو في الغالب تغييرٌ إيجابيٌّ بالغ الروعة. وهو جماليّ وفكريّ ومفهوميّ، يخلخل عادةً مستقرةً في الأداء، أو سلوكاً جماليّاً ينبغي مراجعته، أو فكراً لم يعد الإجماع عليه ممكناً.

إن النميمة، مكتوبةً أو شفاهية، لحظةٌ أخلاقيةٌ واجتماعيةٌ شرّيرة، هادمة للّذة والجمال والصحبة. أما الكتابة فهي النميمة الصافية المبرأة من الكيد والدناءة. وإذا استثنينا كتَبَةَ التقارير المهلكة من بين الكتاب والمثقفين، فإن الكاتب الحقيقيّ هو أكثر النمّامين لطفاً، يصغي بأناقةٍ بيضاء إلى روحه ليشي بها إلى الآخرين، فيجعل منهم شهوداً على هذه النميمة النادرة، يشتركون في صنع دلالاتها ويستمتعون بما فيها من قيمٍ جماليةٍ أخّاذة.

شاعر عراقي

14