غضب الجواهري وغنائية شوقي

الاثنين 2017/09/25

في أمسية من أماسي عام 2008، كنّا في زيارة للشاعرمحمود درويش في شقته بعمّان، قبل سفره إلى أميركا. كان بيننا زهير أبوشايب، يوسف عبدالعزيز، بسمة النسور، وعصام السعدي. تعددت أحاديث الأمسية وكثرت انتقالاتها، وكان الحديث عن الجواهريّ وأحمد شوقي واحدا من تلك انتقالات. كان درويش لا يرى في شعرنا العربي من يفوق أحمد شوقي في غنائيته. وله الحق في ذلك. وكنت أرى أن للجواهري شخصية شعرية قد لا يمتلكها شاعر آخر من معاصريه. وإذا كان شوقي يقف، كما أعتقد، في طليعة شعراء الصفاء اللغوي الكبار في تاريخنا الشعري، فإن شعرية الجواهري الانفعالية واللغوية قد تجعله من النادرين، باستثناء المتنبي ربما، في امتلاكه هذه الصفة.

لا يذكرني شاعر معاصر بالمتنبي كما يذكرني الجواهري. فكلاهما يمتلك شخصية أسلوبية ووجدانية لا تذكر بغيرهما من الشعراء. وإذا كان الشاعران يشتركان في افتتانهما العالي بالذات، فإن لكل منهما ما يخصه: كان تأمل المتنبي الموجع في أحوال البشر وتقلباتهم قد أنقذ الكثير من مدائحه من السقوط. وكان للجواهري طريقته الخاصة في بناء العبارة ونفسه الأمّارة بالغضب والتحدي اللتين ضمنتا له نبرته الشعرية الخاصة بين مجايليه.

وصلة الجواهري بالمتنبي تتجاوز قشرة اللغة، أوإغراءات المعجم الشعري. إنها ذلك التلظّي وجذوة الغضب اللذان يهدران في الطبقات السفلى للقصيدة، وهي تلك الذات المتأججة التي تدب في مفاصل اللغة، وتفوح من مناخاتها فتجعل الخاص عاماً، والشأن العام بالغ الحميمية. وللجواهري قدرة غريبة: إنه يعوّض عن تراكم القصيدة، أو تشتتها بوحدة المزاج العاصف، وتلك الأنا الفوارة المحببة التي أجدها، دائماً، تتبنى عذاب الناس وأحلامهم البسيطة أو الصعبة على حد سواء. من النادر أن أجد قصيدة للجواهري إلا وفيها بعض من مزاجه الذي يتلظّى بالغضب، أو يموج بالتحدي، وهو ما يذكر دائماً بمزاج المتنبي وروحه الطافحة بالتوتر.

ويبدو لي أن الجواهري، على العكس من شوقي، لا يرتفع بقصيدته غالباً إلا في تلك الغابة من التحدي والغيظ المحتدم والافتتان بالذات، تلك الغابة التي يعرف ممراتها الضيقة وهو مغمض العينين. لذلك ليس لديه، كما ليس لدى المتنبي أيضا، تلك الرقة التي تميز بها شعراء معدودون عبر تاريخنا الشعري كجرير، عمر بن أبي ربيعة، البحتري، الشريف الرضي وشوقي على سبيل المثال. ولا أبدو مبالغاً في القول إن غزل الجواهري، يبدو لي، في بعض الأحيان، من أكثر قصائده ضعفا، قياسا بقصائده الغاضبة أوالمتفجعة أوالمتباهية.

كيف يمكن لشاعر أن يتغزل بامرأة على هذا النحو:

يا شفائي ويا ضنى/ حبذا أنتِ من منى

بأبي أنتِ، لا أبي/ لك كفـؤٌ.. ولا أنا

وقد لا نرى تفسيرا لمثل هذا التعبير الفاتر عند الجواهريّ إلاّ في العودة ثانية إلى المتنبي. فالشاعران، كلاهما، يصدران في شعرهما عن نفس متعالية حانقة على الممسكين بالسلطة، والمتجبرين على ضعاف خلق الله. غير أنهما، كلاهما أيضاً، لا يجدان في إحساسهما بالمرأة ما يجدانه في موضوعات أخرى. وتبدو المرأة في شعرهما كائنا غائم الملامح، ليس لها ما وُهِبتْ من جبروت الجمال، أوقوة المحبة، أو موهبة الكيد. وكأنّ غزلهما بالمرأة يتأتّى من طرف لسان بليغ، لكنه يفتقر، في الغالب، الى قوة العاطفة وغريزة الجسد المأخوذ بالجمال حدّ الثمل.

وكأننا نجد في الأنا الضخمة المتحدية، لكليهما، حاجزا شديد الكثافة يصعب على المرأة تليين صلادته. كما أن لكل منهما ما يغنيه عن الشغف بالمرأة والتفنن في اختراق عالمها الجميل الشائك المزدحم والشفاف. فالجواهريّ والمتنبي شغوفان بذاتهما، ومولعان بها حد استنفاد طاقة الافتتان بالمرأة، ولذلك فهما غير قادرين، في الغالب، على إيهامنا بوقوعهما في الحب، كما تبدو قصيدة الغزل لديهما مبرأة من لوثة الجنون بالمرأة أو الإحساس اللاهب بها على الأقل.

ومع ذلك، يظلُّ الجواهريّ، كما قلت عنه ذات مرة، خاتمة فريدة لتاريخ القصيدة الكلاسيكية. لقد ملأ قرناً كاملا بالشعر والتناقضات والتحدي. وخرج منه، بعد أن أغلق بأصابعه النحيلة كالنايات، بابا للإبداع في القصيدة العمودية قد يستعصى فتحُه على سواه.

شاعر عراقي

14