سعد القرش: النقاد المصريون صاروا عرابين للجوائز

الأربعاء 2013/07/24
القرش: أزمة الإبداع في غياب النقد والنقاد

القاهرة- سعد القرش واحد من ألمع الروائيين الجدد في مصر والعالم العربي، ومن أكثرهم حرفةً وفناً. في كتاباته غالباً ما يجد القارئ نفسه غارقاً مع أبطاله متوحداً معهم فرحا أحياناً.. قلقا أحياناً أخرى وأبطال رواياته تشبهنا كثيراً.. يبقى للقرش مشروعه الإبداعي الذي بدأه بروايتين "حديث الجنود " و"باب السفينة " ومجموعتين قصصيتين "مرافئ للرحيل" و" شجرةالخلد " وجاءت ثلاثيته "أول النهار" و"ليل أوزير" و"وشم وحيد" لتؤكد على مكانته وقدرته الإبداعية في عالم الرواية، لذا جاء هذا الحوار مع القرش الكاتب والروائي والثائر.

ثمة إشارات واضحة لتنفيذ رغبة الملايين من الشعب المصري في رحيل مرسي وجماعته، وظهر ذلك واضحاً في خطاب المؤسسة العسكرية التي انحازت لشرعية الشعب في اختياراته، وهذا نابع من دور وطني وليس سياسيا وكذا أشار البيان الأول إلى أن المؤسسة العسكرية بعيدة كل البعد عن لعب أي دور سياسي. يبدو أن الفريق السيسي قد نجح فى إعادة الثقة في الدور المنوط بالقوات المسلحة تجاة الشعب المصري.. غير أن ثمة أشياء لانعرفها بعد ستكشف عنها الأيام المقبلة خاصة عن تراجع رد فعل السياسة الأميركية تجاه ما حدث إبان 30 يونيو، والتي وصفته بالانقلاب العسكري في بادئ الأمر، إلا أنها تراجعت عن ذلك التوصيف.

يبدو أن لدى الفريق السيسي الكثير من الأسباب التي دعته إلى أن يقف إلى جانب التظاهرات الحاشدة التي طالبت برحيل النظام الفاقد للشرعية. من شاهد الملايين التي احتشدت وملأت ميادين مصر تطالب بصوتٍ عالٍ برحيل النظام، يدرك أنه لابد من تنفيذ مطالبهم والرضوخ لشرعيتهم .

يؤكد الروائي سعد القرش أنه لا يمكن إعادة إنتاج دولة عسكرية أو دولة دينية. كلتا الحالتين لحكم البلاد أصبحتا جزء أصيلا من الماضي. والدولة بمفهومها الحديث تجاوزت الحكم الديني والعسكري فكلاهما كارثة.

وأضاف.. أنه لايجوز التكفير الوطني تجاه الذين لحقوا بركب الثورة والتحقوا بالموجة الأخيرة منها والتي أتمنى أن تكون الأخيرة. لكن من يحاول أن يطرح العودة لإنتاج الحكم الديني أو العسكري سيقابل حتماً بالغضب. إن الوعي الثوري في الشارع الآن غير قابل للعودة إلى الوراء ولن يسمح بذلك. ما حدث في 30 يونيو هو تحرك تلقائي للوعي الثوري الجمعي المصري بالنزول إلى الميادين لمواجهة "جماعة فاشية".

الجوائز والروائي

يؤكد القرش على "أن الجائزة هي لحظة فرح بما أنجزه الكاتب. فلا يمكن وصف الجائزة بأنها أموال فقط، بل هي أكثر من ذلك. وهذا الانطباع نتيجة حصولي على جائزة "الطيب صالح" عن روايتي "أول النهار". غمرتني السعادة لحصولي على تلك الجائزة، فقد أعطتني انطباعاً مغايراً عن النقد والنقاد في عالمنا العربي. ثمة أشخاص لا أعرفهم ولايعرفونني توجوني بجائزة الطيب الصالح في الوقت الذي أصر أنه لو تضمنت هذه اللجنة أيا من النقاد المصريين لما حصلت عليها، وذلك أن أغلب النقاد المصريين أصبحوا عرابين للجوائز، فلديهم حسابات بعيدة عن مستوى الإبداع".

وقد أشار في كتابه "الثورة الآن" إلى هؤلاء النقاد الذين لايرقوا إلى أن يكونوا فوق مستوى الشبهات. ويتابع القرش "فوزي بهذه الجائزة أعطاني انطباعاً بأن ثمة ضميرا نقديا قائما عند نقادنا العرب. ومن جانبٍ آخر هناك شيء ما تجدر الإشارة إليه وهو ذلك الظلم الذي تعيشه أجيال من الروائين المبدعين السودانيين نتيجة لاختصار النقد العربي للأدب السوداني في اسم الطيب صالح وكذا اختصار الطيب في "موسم الهجرة إلى الشمال".

رغم أن ثمة أعمالا هامة وأكثر إبداعاً في مشروع الطيب صالح كـ"عرس الزين" مثلا وأعتقد أن هذا نتاج كسل نقدي أو يمكن القول بأنه لعنة شهرة عمل يطغى على نتاج مشروع إبداعي كامل. يحيى حقي عندما قدم رواية "قنديل أم هاشم" والتي كانت مثل دوي الانفجار تم اختصار يحيى حقي في هذا العمل حتى صارت شهرة وذيوع "قنديل أم هاشم" بمثابة لعنة تطارده. هذا شيء مؤسف ومزعج للغاية".

أول النهار كان يشغل "القرش" الكتابة عن الحاكم الديكتاتور المتسلط واختار أن تكون الحقبة التاريخية التي تدور فيها أحداث روايته "عهد محمد علي"، لذا قام بدراسة السياق التاريخي والاجتماعي والنفسي للقرية المصرية في تلك الفترة، وشرع في كتابة الفصل التأسيسي لروايته، وكان عليه أن يسبق ما يريد الكتابة عنه "الديكتاتور" بفترة زمنية بسيطة إلا أنه وجد نفسة قد انتهى من كتابة ثلاثة فصول فكانت "أول النهار" مخطوطة استنفذ فيها طاقاته في الكتابة، إلا أن لديه ما يكتبه.

لكن بعد ما صارح أصدقاءه بأنه استنفذ طاقته في الكتابة خلال الفصول الثلاثة، وأنه غير مستعد للكتابة. في ذلك الوقت أشاروا عليه بطباعتها وكانت "أول النهار" أولى ثلاثية القرش التي تبعتها رواية "ليل أوزير" ومن بعدها "وشم وحيد". يشير القرش إلى أن أجمل ما في الكتابة أنها تأخذك إلى منطقها ومنطقتها، هذه هي تلقائية الفن. لا أحاول أن أوجه أبطال الرواية أو أدعهم يكتبونني ويأخذونني إلى منطقهم ومنطقتهم.

عندما انتهى من رواية "أول النهار" كان لزاماً على القرش أن يكتب " ليل أوزير"، هذا ما خطط له من البداية. وكانت المفاجأة في نهاية "ليل أوزير" أنها أشبه بمشهد اليوم الأخير لتنحي مبارك. حريق هائل يلتهم القرية بكل ما فيها بحكامها وأهلها ولاينجو سوى ذلك الشاب الذي رفض ديكتاتورية الحاكم.

الرواية والقصة


سبق وقدم القرش روايتين "حديث الجنود" و"باب السفينة " ومجموعتين قصصيتين هما "مرافئ للرحيل" و"شجرة الخلد" قبل أن يشرع في كتابة ثلاثية "أول النهار" و"ليل أوزير" و"وشم وحيد". يؤكد القرش على أن كتابة القصة هي الأكثر صعوبة، فهي تحتاج إلى أشخاص مثل "يوسف إدريس" على سبيل المثال. ولا يمكن أن تكون ثمة مقارنة بين كتابة الرواية والقصة والشعر. الشعر في الماضي كانت تحكمه شروط وذلك قبل ظهور قصيدة النثر. أما الآن فلا توجد معايير للحكم، لذا لجأ كثير من الشعراء إلى كتابة الرواية لا لشيء سوى لاستهانتهم بهذا الفن. غير أنه في الغالب الأعم لا يكونون محققين إبداعيا في مجال الشعر وكذا لن يتحققوا في مجالالرواية. ما يحدث الآن في رأيي هو نتيجة حتمية لعدم وجود "شيخ بلد للإبداع الحقيقي" غياب وجوه من الساحة النقدية في قيمة وقامة "رجاء النقاش" وانشغال النقاد بحياتهم اليومية هو ما أدى إلى ما نحن عليه الآن .

ولايمكن أبداً مقارنة ما يقدم في الغرب بنتاجنا نحن. فالرواية والقصة هما فكرتان غربيتان، وقد مر على بدايتها أكثر من 400 عام ، ونحن لم يمر على نتاجنا في هذا الصدد أكثر من 120 عاما. إننا مازلنا نحتاج إلى تراكم حقيقي. فهناك أشياء قدمها العرب هي خارج إطار المقارنة مثل "ألف ليلة وليلة"، وهذا العمل نحن مقصرون تجاهه. حتى الآن لم يدرس الشعر المنسوج بحكايات ألف ليلة وليلة. نحتاج فعلاً إلى دراسة هذا العمل وتقديمه للناس بالشكل الذي يليق به.

العالمية


يؤكد القرش أنه رغم كل ما يكتب من نقد تجاه كتابات الأسواني إلا أنه قدم خدمة كبيرة للأدب العربي. فكتابات الأسواني، أياً كان رأيك فيها، نبهت الغرب إلى الأدب العربي وهذا خارج إطار دور المؤسسات الأكاديمية. غير أن ثمة عيبا صغيرا وهو في واقع الأمر خطير، هذا العيب هو أن يصبح ما يقدمه الأسواني من أدب لدى الغرب يمثل مستوى الإبداع لدينا.

15