يباس مثقل بالخضرة

الاثنين 2017/10/02

لم يعد الحديث عن المراكز الشعرية العربية يمتلك ما كان له من ثقل قبل ربع قرن تقريباً. فها هي شعرية الأطراف، تقتحم قلب المشهد الشعري العربي بكفاءة وتقدم من الإنجازات النصية ما يشدها إلى لغة الحداثة وإلى وعيها أيضاً. في السعودية مثلاً، كان للشعراء محمد الثبيتي، وعلي الدميني، وعبدالله الصيخان ومحمد الدميني وآخرين، إسهامهم الواضح في تشكيل ملامح هذا المشهد الشعري .

يحدث أحياناً أن نقرأ نصوصاً عربية أو خليجية، تتمتع بترفٍ شعريٍّ كبير، غير أنها تفتقر أحياناً إلى الإحساس العالي بالحرمان والألم. ولا أعني هنا دلالتهما الشخصية، بل دلالتهما الأشمل والأعم. كما تفتقر تلك النصوص إلى تشبث الشاعر بحلم جمعيّ يهدر بعيداً في الطبقات الجوفية من الأرض، وفي الصميم من تطلعاتها الموجعة. وقد نتوهم، للوهلة الأولى، أنها نصوص تنحدر من نفس ومخيلة مليئتين بالرضوض، لكننا سرعان ما نكتشف أنها رضوضٌ لغويةٌ لا أكثر.

وأنا هنا، لا أنظر إلى حركة الشاعر داخل لغته فقط ، ولا أتصوره منقطعاً عن إحساسه بذلك الألم الجمعي، البعيد، وغير المرئي أحياناً. لذلك، ومن هذه الزاوية تحديداً، فإن تجربة الشاعر علي الدميني تحتل مكانة مميزة إلى حدّ كبير.

في تجربته تلتقي طاقتان مهمتان طاقة القصيدة وطاقة الفعل. وربما أمكنني القول إن حياته وقصيدته، في تفاعلهما الحي، تقفان نموذجاً يصعب تكراره في قصيدة الشعر الخليجي عامة وفي الشعر السعودي بشكل خاص. فهو لا يذهب إلى اللغة هرباً من فعل التاريخ. ولا يذهب إلى التاريخ والواقعة هرباً من متطلبات المخيلة. إن قصيدته تصعد من مخيلة مجروحة وحنجرة محشوّة بالشوك والابتهالات:

وأنا أمام النصّ لا ألهو عن المضمون في المبنى ..

فالشاعر يرى أن للمعنى في قصيدته أكثر من شفة:

شفتان للمعنى

وللمعنى معانٍ عدّةٌ

ولي احتمالي..

واحتمال الشاعر علي الدميني لا يقع بعيداً عن قصيدته، وعما يحلم به الشاعر في الإنسان وما يعمل عليه الإنسان في الشاعر. لذلك لا بد له من شرفة تطل منها قصيدته على ما تسعى إليه بكيانها اللغوي والدلالي، وعلى الشاعر أن يجنبها غائلة اللوم، أو الضياع في مفترقات الطرق:

ومن سوف يرفعُ عنّي الملامةَ

إما رأيتُ الخطى / والخطأْ

لامِعَينِ كوجهِ الصوابْ..

وتتجلى في قصيدة الدميني، إضافة إلى هذا الوعي، أنها قصيدة تنفتح بغزارة على الموروث الشعري والأسطوري العربي الحافل بالمكابدة وسرديات الفجيعة، في التراث الرافديني، وتراث وادي النيل: كلكامش، أنكيدو، أزيروس، إيزيس. وتنفتح أيضاً على النص القرآني، حيث قصص العذابات الكبرى: قصة يوسف، قصة مريم، ومكابدة نوح في الطوفان. وموسى وفضوله المهلك..

وللتعبير عن ذلك الحلم الذي يتملكه دائماً، يحتشد علي الدميني بكل طاقاته اللغوية والإيقاعية من أجل قصيدة تنبثق من اليباس حالمة بفضاء مثقل بالخضرة. كما في قصيدته “وقفة” التي مزجت، بحميمية وبراعة، بين شحنة هذا الحلم الصعب واتجاهاته المترامية:

واقفاً بين نارينِ أوشك ُأن يتخطفني قاتلي أو قتيلــي

أسيرُ إلى قدري مفرداً بين نارينِ

أوصدُ بابي عليّ وأرقبُ أن يتقدمَ نحوي خليلــي

بين هذا الكثيرِ الذي يتبرّجُ في الشرفاتِ

” أدوْزنُ” أغنيتي، ثم أوغلُ في داخلي باحثاً عن قليلــي

فإذا ضِقْتُ باليتْمِ/ علّقتُ قلبي على سعفةٍ في “الحساء ”

وصاريةٍ في الحجاز/ لأبصرَ بينهما/ وطني ودليلــي..

هكذا يتبع الدميني حلمه حتى منابعه الأولى، وحتى يشتبك العام بالخاص، ويتوحد كلاهما في مسار واحد، لا يؤدي إلاّ إلى الحلم الذي نذر له الشاعر حياته وقصيدته معاً.

شاعر عراقي

14