لماذا أشار محمد بن سلمان إلى العام 1979؟

السبت 2017/10/28

بجرأة استثنائية تعبر عن تحولات فكرية واستراتيجية عميقة في مسار الدولة السعودية، وعن رؤية مجتمعية وثقافية وحضارية متفاعلة إيجابيا مع حركات التغيير الكوني التي تتجه نحو الانقلاب الكبير في حياة البشرية نتيجة الذكاء الاصطناعي وتغير الوظائف والمهمات، وتراجع أو انحصار المنظومات الفكرية والعقدية التقليدية، أعلن الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد السعودي، عن طي صفحة ما بعد العام 1979 حيث قال “نحن لن نستمر في العيش في حقبة ما بعد عام 1979” وأن زمان تلك الحقبة قد ولى، فالشباب السعودي الذي يمثل نسبة 70 بالمئة من عموم المجتمع لن يبقى أسيرا لما حدث خلال الأعوام الثلاثين الماضية، وإنما يتطلع للحياة الأفضل وللانفتاح على المستقبل وعلى العالم.

ولكن لماذا توقف الأمير محمد بن سلمان عند العام 1979؟ الجواب بسيط بقدر ما هو معقد، فذلك العام كان مفصليا في انتشار الأصوليات الدينية والمذهبية بشكل غير مسبوق في العالم، وفي الترويج لثقافة التطرف والإرهاب ليس في المنطقة العربية فحسب، وإنما على الصعيد العالمي.

ففي الأول من فبراير 1979، كانت عودة الخميني إلى طهران، إيذانا بسقوط الحكم الشاهنشاهي، وقيام الدولة الثيوقراطية بواسطة نظام الولي الفقيه الساعي إلى إحياء تاريخ التوسع الإمبراطوري الفارسي تحت غطاء التشدد المذهبي الباحث لنفسه عن امتدادات عقائدية في المحيط الجغرافي وخاصة في دول الخليج والمشرق العربيين، حيث دغدغت ثورة الخميني مشاعر الأصوليين الكامنة، وكرست حركة أصولية إسلامية شيعية، استطاعت أن تنفذ إلى المنطقة العربية وخاصة بعد احتلال العراق في العام 2003، مستفيدة من غياب المشروع القومي العربي الجامع.

وفي العام 1979، شهدت السعودية حادثة ذات منحى أصولي سني كان بطلها الإرهابي جهيمان العتيبي وعدد من أنصاره، بدأت أحداثها فجر يوم الأول من محرم 1400 الموافق ليوم 20 نوفمبر 1979، حين استولى أكثر من 200 مسلح على الحرم المكي، مدعين ظهور المهدي المنتظر، وذلك إبان عهد الملك خالد بن عبدالعزيز، وقد هزت تلك الحادثة العالم الإسلامي برمته، فمن حيث موعدها وقعت مع فجر أول يوم في القرن الهجري الجديد، ومن حيث عنفها تسببت بسفك للدماء في باحة الحرم المكي، وأودت بحياة بعض رجال الأمن والكثير من المسلحين المتحصنين داخل الحرم.

في ديسمبر من العام ذاته، بدأ الغزو السوفييتي لأفغانستان بعد مقتل سفير الولايات المتحدة الأميركية في كابول، ثم مقتل نور محمد تراقي الذي شغل منصب رئيس المجلس الثوري من أبريل 1978 إلى سبتمبر 1979، واستيلاء حفيظ الله أمين على الحكم قبل إبعاده ومجيء بابراك كارمل عوضا عنه، لتشكل تلك اللحظة التاريخية بداية إرهاصات الحروب المتلاحقة التي شهدتها البلاد في ما بعد، ودخول الجهاديين العرب على خط المواجهة بعد أن تم استدراجهم من قبل المخابرات الغربية للمشاركة في القتال ضد السوفييت، وما نتج عن ذلك من بروز ظاهرة الإرهاب التكفيري بشكل غير مسبوق، خصوصا بعد تأسيس تنظيم القـاعدة الذي انتشرت فـروعه واتسعت دائرة أتباعه في مناطق عدة.

كان العام 1979 منطلقا لإحياء الأصوليات، ومن بينها الأصولية الإسلامية بجناحيها الشيعي والسني، ولذلك جاء خطاب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان واضحا من حيث إصراره على طي ما تبقى من آثار ذلك العام

في سوريا، شهد العام 1979 انطلاق تمرد جماعة الإخوان الإرهابية ضد نظام الرئيس حافظ الأسد، والذي بلغ ذروته بعصيان مسلح في مـدينة حماة في العام 1982، وجوبه بقوة عسكرية كبيرة من قبل القوات الحكومية التي حاصرت مدينة حماة أحد معاقل الإخوان وقضت على وجودهم المسلح بالكامل، وكان من نتائج ذلك لجوء عدد كبير مـن إخوان سوريا إلى دول الخليج العربي، وخاصة المملكة العربية السعودية التي شهدت في ما بعد ظهور التيار السروري نسبة إلى الإخواني السوري محمد سرور زين العابدين الذي جمع بين سلفية ابن تيميـة المتشـددة، وبين عقيدة سيد قطب الجهادية، وكان للتيار السروري دور كبير في تفريخ دعاة وعناصر الإرهاب والتطرف الديني.

في فبراير 1979 أصبح الشاذلي بن جديد الرئيس الرابع للجمهورية الجزائرية فقرر تدعيم الأصولية الإسلامية، وعند ذلك استـدعى الشيخ محمد الغـزالي وعينه أستاذا بجامعة الأمير عبدالقادر للعلوم الإسلامية، وأمر بأن يكـون له حديث متواصل في الإذاعـة والتلفزيون، والشيخ الغـزالي معروف عنه بعد ذلك أنه بارك مقتل المفكر فرج فودة، كما أن الجزائر بعد ذلك دخلت في سلسلة من الدم بعد تنامي التيار الأصولي.

وفي مارس من العام 1979 أبرمت المعاهدة المصرية الإسرائيلية في مناخ أصولي بقيادة كل من مناحيم بيجن رئيس وزراء إسرائيل والرئيس المصري الأسبق أنور السادات، وكانت جماعات التيار الإسلامي في مصر قد تنامت آنذاك بعد أن أطلق أنور السادات يدها لمواجهة التيارات اليسارية في الجامعات، ولعل نهاية الرئيس السادات، على يد هذه الجماعات المتطرفة، تعكس الوضع الذي وصلت إليه الأصولية الدينية المتطرفة.

والأمر لا يتعلق بالإرهاب الإسلامي فقط كما يعتقد البعض، وإنما يعتبر عام 1979 عاماً استثنائياً بالنسبة لتاريخ الصهيونية المسيحية، فبعد قرن من تقرب هشلر من تيودور هرتزل مؤسس الصهيونية العالمية وبدء الدعم المسيحي الأصولي المباشر لإقامة الدولة اليهودية، أنشأ القس جيري فالويل في الولايات المتحدة الأميركية منظمة “الأغلبية الأخلاقية” التي تشكلت من لجان سياسية لمسيحيين ذوي توجهات محافظة من أهدافها العمل على التعبئة والدعاية لانتخاب المرشحين المحافظين. ومع بلوغ عدد أعضائها الستة ملايين عضو أصبحت المنظمة كتلة انتخابية قوية كانت وراء نجاح رونالد ريغان في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 1980.

وينص أحد المبادئ الأربعة التأسيسية لمنظمة الأغلبية الأخلاقية على “دعم إسرائيل والشعب اليهودي في كل مكان”، وفي عام 1980 صرح فالويل بأن “الله بارك أميركا لأن أميركا باركت اليهود. فإذا أرادت هذه الأمة أن ترى حقولها محافظةً على بهائها وإنجازاتها العلمية محافظة على ريادتها وحريتها محمية، فعلى أميركا أن تبقى واقفة إلى جانب إسرائيل”.

يتأكد ذلك أكثر من خلال ما قاله الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر عن الأساس اللاهوتي والثقافي للانحياز الأميركي للصهاينة، حيث بيّن في كلمة ألقاها أمام الكنيست الصهيوني بمناسبة توقيع معاهدة السلام المصرية الصهيونية في مارس عام 1979 “لقد آمن وأظهر سبعة من رؤساء الجمهورية أن علاقة أميركا بإسرائيل أكثر من علاقة خاصة فهي علاقة متأصلة في وجدان وأخلاق وديانة ومعتقدات الشعب الأميركي نفسه. إننا نتقاسم معكم تراث التوراة”.

لقد كان العام 1979 منطلقا لإحياء الأصوليات، ومن بينها الأصولية الإسلامية بجناحيها الشيعي والسني، ولذلك جاء خطاب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز واضحا من حيث إصراره على طي ما تبقى من آثار ذلك العام، وخاصة في ما يتعلق ببلاده التي طالما تعرضت للاتهام بأنها قامت بدور مهم في إحياء الأصولية الدينية.

الأمير الشاب قال بصوت واضح “سندمرهم” في إشارة إلى كل من بقي مرتبطا بثقافة التطرف والتكفير والإرهاب والكراهية، وبالتآمر ضد قيم الحياة والسلام والتسامح والانفتاح على الآخر وعلى المختلف.

كاتب تونسي

9