أمراض الحنين

الأربعاء 2017/11/15

أرجوكم ألا تبكوا وتتباكو على أوطانكم التي ضاعت فأوطاننا إن لم تكن بخير فإنها ستكون حتما بخير.. وليس كل ما تتذكرونه عن الوطن هو أفضل وأحلى مما هو عليه الآن.. فدائما ثمة شيء جديد أفضل يحدث وسيحدث.. حتى وإن تغيّرت المفاهيم والأفكار والقيم والمعتقدات.. حتى وإن اختلفت الرؤى.. واختلف الإنسان تغيّر.. لا تبكوا وتتشاكوا على شتاتكم.. فثمة شيء رائع في هذا الشتات.. إننا أينما ولّينا وجوهنا سنلتقي بمن هم أهلنا.. ولذا فقد أصبح لنا بفضل الشتات في كل أرض وطن!.. فالأحبة وطن.. والصحاب وطن.. والفرح وطن.. والحب وطن.. فأرجوكم أرجوكم لا تطيلوا البكاء على الوطن.

أقول كل هذا إذ أجد ثمة دائما من يضع في صفحات التواصل الاجتماعي صورا قديمة بالأسود والأبيض أو بألوان باهتة حائلة وقد صاحبتها عبارات من مثل: “صور من الزمن الجميل”!.. لتنهال عليها الإبهامات المرفوعة وقلوب الإعجاب ووجوه التعجب.. متبوعة بتعليقات من رثاء وحسرات طوال ثقال.. وكأن الأغلبية الساحقة من البشر متفقون على أن الماضي كان عصرا ذهبيا لن يأتي الزمان بمثله من جديد!

وتنداح التفاصيل وتختلط الأحاسيس ما بين الحنين إلى الماضي والحنين إلى الوطن.. وتغيب الفوارق بين “الحنينَين” لتغدو المشاعر المختلطة شعارا يرفعه الجميع يمجّد بها طفولة مدرسة أو شبابا غابرا بعيدا.. ويبكي وطنه لا لشيء سوى أنه لم يعد في واقعه يشبه ذاكرته عن الوطن!

وتضيع الحقيقة التي تتكشف عند أول جدل موضوعي.. ليهبّ ألف مدافع غيور عن “أرضه” و”مائه” وعن “ماضيه الجميل”.. فيفنّد كل رأي معاكس أو مشاكس أو حتى متسائل.. وكأنه يردأ بذلك تهمة باطلة تمسه وتمس تاريخه الوطني الأصيل!!.. وكأن مقياس الوطنية أصبح منوطا بمدى البكاء والتحسّر.. وبكمّ النوستالجيا التي اختلطت بالفقد والافتقاد والغربة.. وارتبكت مفاهيمها وأعراضها وطرق العلاج منها.. على الرغم من أن الماضي قد يبدو أفضل من الحاضر أو من الآتي لا لشيء سوى لأننا عرفناه وألفناه وخبرناه حتى أصبح جزءا من ذاكرتنا وتكويننا النفسي والداخلي.. والإنسان ميّال بطبعه إلى حب ما يعرفه وليس ما لا يعرفه.. والمجهول هنا مخيف.. والاختلاف والتغيير الذي قد يكون أسوأ أو أحسن إنما يبدو سيئا لأنه يضمر الكثير من التوجس كونه مختلفا مجهولا!

وإلاّ فكيف يمكن للماضي أن يكون زمنا جميلا مثلا وهو غارق في الحروب؟.. كيف للماضي أن يكون أحلى من الآن وقد كنّا نرزح تحت ظل دكتاتوريات مميتة؟.. كيف يمكن للماضي أن يكون زمنا جميلا وهو أقل تطورا بكثير؟.. كيف له أن يكون أجمل من اليوم وقد كانت أقصى مُتعنا مثلا تتلخص في كتاب جديد أو برنامج تلفزيوني أو فيلم جديد؟.. أليس عالمنا اليوم أكبر وأوسع وأكثر حرية؟

قد لا يكون إنسان اليوم شديد الشبه بمن كان بالأمس.. لكنه في النهاية ابن عصره.. له من الإيجابيات والسلبيات ما يتماشى مع عالمه ومعطياته.. وقد لا يكون وطن اليوم شبيها بوطن الأمس الذي عشنا تفاصيله عن كثب فعشقناها.. لكنه في النهاية وطن يضم أرضا ونخلا وشعبا يحب الحياة ويحب وطنه.. وأظنه سوف يطيل عليه البكاء مثلنا ربما.. ولكن بعد حين!

شاعرة عراقية

21