عزلة وجودية

الأربعاء 2017/11/15

في مرحلة من التاريخ الحديث مثل انتماء النخب الثقافية إلى حركات التحرر الوطني وإلى أحزاب اليسار التي ورثت بعضها، بداهة غالبة على سلوك معظم الكتاب والمفكرين والفنانين، وقد مثل وجود عدد لافت من الأسماء الأساسية في الرواية والشعر والتشكيل والسينما في الأحزاب الشيوعية منذ عشرينات القرن الماضي، انتماء إلى مفهوم خاص للثقافة، اتّخِذت له أوصاف التقدمية والجماهيرية والطليعة، لربطه الجدلي بين ماهية الفن والفكر والأدب والنضال لأجل التحرر الوطني ومقاومة الأمبريالية والعنصرية والفاشية…

في هذا السياق يمكن فهم تصريح بيكاسو إثر انضمامه إلى الحزب الشيوعي الفرنسي سنة 1944، حيث قال “لقد التقيت فيه بكل من كنت أوليهم أعظم الاحترام، أعظم المفكرين والشعراء، وأبرز وجوه المقاومة الفرنسية… إني أحس بأنني بين إخوتي”. لقد كان إلى جوار أراغون وإيلوار وألتوسير وقائمة طويلة من الأسماء الشهيرة. وهي المرحلة ذاتها التي اختارت فيها حركة السورياليين المصريين المعروفة بجماعة “الفن والحرية”، أن تكون جزءا من الحركة الشيوعية هناك، وأن تعلن منذ بيانها التأسيسي الذي حمل عنوان “دفاعا عن الفن المنحط”، مناهضتها للعقائد الفاشية والنازية المجتاحة إلى العالم الحر.

لكن لم يمض إلا قليل من الوقت قبل أن يفرز هذا الانتماء نفسه، مراجعات وانتقادات وتمردات شتى، مردّها إلى تشكل وعي مختلف بطبيعة وجود تلك النخب الثقافية في تنظيمات عقائدية تفصل بين الكيانات الشخصية لتلك النخب وما تنتجه من أعمال واجتهادات، بحيث كان معتادا أن تهمل أعمالهم الفنية والفكرية الاختراقية، في مقابل التركيز على حضورهم الرمزي في صفوف الحزب، وشيئا فشيئا سيتبين أن الوجود الذي عبّر عنه بيكاسو بـ”الوضع المناسب” لم يكن إلا وهما، سرعان ما تلاشى مع تواتر الخيبات من طبيعة نظر القاعدة العريضة إلى جوهر العملية الإبداعية ذاتها، التي لم يكن مستساغا أن تتحول إلى مجرد كيان اسمي جامد، يتم تسويقه جماهيريا تحت شعارات مختزلة وقمعية أحيانا.

اليوم حين نعيد قراءة هذا التلاحم التاريخي بين الحركات الفنية والأدبية والنقدية الطلائعية، وحركات المقاومة واليسار العالمي نكتشف أن أغلب المفكرين والفنانين والأدباء إنما كانوا يبحثون عن الخروج من عزلة الوجود على هامش الفعل المجتمعي، أو بتعبير آخر تحويل حلمهم إلى جزء من التطلعات الجماعية وممارستها للنضال، وما تنشئه بالموازاة مع ذلك من سلطة في الانتشار والتداول، وهو ما انتهى إلى نتيجة معاكسة حين اضطرت تلك النخب إلى نسيان أحلامها في الإنجاز الفردي لحساب رهانات الحزب؛ ومن ثم الانحدار التدريجي إلى العمل الدعائي…

قدر محزن لم يكن بالإمكان تلافيه إلا بالخروج إلى أرض الله الواسعة.

كاتب مغربي

15