عندما يواصل أمير قطر الهروب إلى الأمام

الخميس 2017/11/16

مرّة أخرى، حاول أمير قطر التهرب من مواجهة الحقائق، وتعويم الواقع في خضم مزيج من التلفيق والتناقض، زاعما سعي الدولة الداعية إلى مكافحة الإرهاب لـ“التدخل في الشأن الداخلي القطري”، رغم أن القاصي والداني يجمعان على أن نظامه هو الذي تدخل فعليا، وعلى امتداد 20 عاما، في الشؤون الداخلية للدول الخليجية والعربية، وقاد مؤامرات موثقة تهدف إلى الإطاحة بالأنظمة الوطنية وتدمير الدول وتمزيق المجتمعات وإهدار الثروات والتمكين للجماعات المتشددة والتيارات المعارضة الراديكالية، التي كانت ولا تزال تعتبر الحليف الأبرز لدولة قطر.

ووفق ما يجمع عليه أغلب المراقبين، فإن نظام الدوحة هو آخر من يحق له الحديث عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول بعد أن تورط في بث الفتنة الطائفية ودعم الجماعات الإرهابية في مملكة البحرين وفي المنطقة الشرقية للمملكة العربية السعودية، وفي العراق واليمن وسوريا ومصر وليبيا ولبنان، واندفع لتوفير الغطاء المالي والإعلامي لخلايا جماعة الإخوان المسلمين في دول الخليج والمشرق العربيين وفي شمال أفريقيا، وصولا إلى منطقة القرن الأفريقي، إضافة إلى تحالفه مع القوى الإقليمية ذات المصالح التوسعية في الوطن العربي وعلى رأسها إيران وتركيا وإسرائيل، كما تورط في تشكيل وتمويل شبكات إعلامية ولوبيات “حقوقية” في المنطقة والعالم، في محاولة منه لتشويه سمعة الدول الخليجية والعربية، بعد أن كان قد أسس قناة “الجزيرة” للهدف ذاته، وتحويلها إلى بوق معاد إلى الجيران والأشقاء.

ولذلك، فإن حديث أمير قطر عن التدخل في شؤون بلاده الداخلية، ليس سوى محاولة بائسة لنفي التهمة الثابتة على نظامه عبر سعيه لإلصاقها بغيره، وهو ما لم يعد ممكنا تمريره على الرأي العام العربي والدولي.

أما مقولة أن لا “غالب ولا مغلوب” في الأزمة التي تمر بها بلاده، فتشير إلى أن أمير قطر لم يستوعب الدرس بعد، لأن الموضوع لا يتعلق بالغلبة، بقدر ما يتعلق بضرورة أن يثوب نظام الدوحة إلى رشده ويتخلى عن مغامراته الصبيانية ومخططاته الإجرامية في حق أشقائه، ولا أحد يقول إن في العودة إلى الرشد أو التراجع عن الغي هزيمة، ولكن الاستمرار في اعتماد الخطأ والخطيئة هو الذي يهزم صاحبه إن آجلا أو عاجلا.

وعندما يتحدث أمير قطر عن التصعيد، فعليه أن يدرك أنه هو من بادر بالتصعيد الفعلي عبر التحالف مع العدو الفارسي الذي لا يخفي مشروعه التوسعي على حساب الدول العربية، ولا يتنكر لتدخله المباشر في الشؤون الداخلية للوطن العربي، ولا في تآمره المعلن على المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين، إلى جانب اعترافه بأنه يسيطر على القرار السياسي في أربع عواصم عربية، مثلما ورد على لسان الرئيس حسن روحاني.

كما أن التصعيد القطري، تمثل في الاستقواء بالأجنبي من خلال احتضان قاعدة عسكرية تركية، واستقبال المئات من عناصر الحرس الثوري الإيراني، ودفع عشرات الملايين من الدولارات للوبيات ومراكز البحوث ووسائل الإعلام والمنظمات الغربية بهدف تنظيم حملات معادية للدول الداعية إلى مكافحة الإرهاب، إضافة إلى إفصاح نظام الدوحة عن دعمه ومساندته للمتمردين الحوثيين في اليمن، واستمراره في شن الحملات الإعلامية الممنهجة ضد دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومملكة البحرين وجمهورية مصر العربية، مقابل تلميع صورة نظام الملالي في طهران، وتقديم إيران على أنها “دولة شريفة”، والإمعان في التمسك بدعم القوى المتشددة والإرهابية كجماعة الإخوان وتنظيم القاعدة وحزب الله اللبناني والحوثيين في اليمن.

وعندما يتهم أمير قطر الدول الداعية إلى مكافحة الإرهاب بأنها تحاول إشغال نظامه “بالجبهات التي تفتحها في كل مكان” إنما يقصد أنها تتصدى للجبهات التي يفتحها هو ذاته في كل مكان، فلم يترك نظام الدوحة بلدا عربيا إلا وتدخل في شؤونه، ولم يترك مجالا حيويا إلا وعمل على اختراقه من أجل خدمة مشروعه الشيطاني، ولم يترك عاصمة غربية أو شرقية إلا ونثر فيها ملايين الدولارات لتجنيد المرتزقة لتشويه سمعة الدول العاملة على الحد من خططه التآمرية ضدها.

أما قوله إن الدول الأربع “أصبحت أسيرة خطابها الإعلامي” فيعبّر عن استمراره في اعتماد ذات الاستراتيجية التي أسس لها تنظيم الحمدين منذ 20 عاما، وهي خلع التهم عن نفسه والتوجه بها إلى الآخر المختلف معه، حيث أن الجميع يدرك أن نظام الدوحة هو الذي بات خاضعا لآلة إعلامية صنعها بنفسه، ووضع على رأسها وفي مفاصلها المتأدجلين وأصحاب الأهداف السياسية والفكرية المتشددة، والمتآمرين على دولهم وشعوبهم، ممن أصبحوا في ما بعد يتحكمون في القرار السياسي للنظام القطري.

أما إشارته إلى أن “المؤشرات تفيد بأن دول الحصار لا تريد التوصل إلى حل” فتؤكد مرة أخرى أن نظام الدوحة لا يريد التوصل إلى حل، لأن الدول الأربع لم تطلب منه إلا الاستجابة لما يحمي أمنها واستقرارها ويصون سيادتها ومقدراتها ويمنع التآمر عليها والتدخل في شؤونها الداخلية والتحالف مع أعدائها.

كاتب تونسي

8