في معنى التراكم

الأربعاء 2017/11/22

التراكم ليس رصيدا شخصيا، وليس مهما في تاريخ الأفراد، فهو لا يتحقق دون قدرة على الاستئناف، أنت لا تكتب الرواية منطلقا من تراث الملحمة أو من أثر دون كيخوتي ورابليه، ولا تخرج فيلما مستندا لتراث شارلي شابلن، ولا تتحقق كشاعر بالاستناد لامرئ القيس أو بشار بن برد، وإنما تسعى إلى البناء ضمن تاريخ معقد للأساليب والأجناس والاختيارات الجمالية.

من هذا المنظور يبدو مفهوم “اللبنة” أساسيا في وعي دينامية التراكم، ممكن أن لا نصدر إلا عددا محدودا من الكتب، أو التصانيف بمعنى أدق، لكن وضعها في سلم الإضافات الموجبة يبقى رهين قدرتها على بناء جسور خفية أو ظاهرة مع “الما قبل” وما قد يحتمل كـ”بعد”، استلهام أسئلة ومراجعة موضوعات ومناهج وطرق في التفكير، واستبدال تعابير وأشكال ومفاهيم وتوليد أخرى تحتاج لنفس التدبّر القلق والمضطرب، هو ما يعبد طريق الاستئناف ومن ثم التجاوز.

لهذا اعتقد إلى حد كبير أن التراكم لا ينفي قيمة الإنجاز، حيث لا يجوز أن ننخرط في سلّم إنتاج القيمة ونحن فقراء، الحاجة إلى رأسمال رمزي صلب ومقنع شرط قاعدي في المضي قدما، والإيمان بجدوى الاختراق أساسي لوعي الضرورة، لأنه يشكل المساحة التي يحتاجها كل مشروع جدي للانتعاش وإنتاج المعنى.

طبعا يمكن أن نتفق مبدئيا على أن التراكم نقيض الوفرة المتشظية أو الفوضوية وغير المستندة إلى نسق، لكنه مناهض أولا وقبل كل شيء لنزعة القطيعة، والبداية في كل مرة من قاعدة الانطلاق، ونقيض لليأس من الماضي أيضا؛ في حوار لفواز طرابلسي وهو أحد المدركين العميقين لقيمة التراكم في السياق العربي، وأحد المعلمين التاريخيين في مشهد اليسار العربي المنهك، تحدث عن أن “العمل مقرون بشرط الأمل.

لهذا فإن الأمل لا نقيض له، حتى اليأس هو طاقة موجبة”، وحين نتأمل في عمق هذا القول، نجد أن مقولة الراحل سعد الله ونوس “إننا محكومون بالأمل”، تجد صدقيتها ليس فقط في تخطيها للنوازع الفردية والأمراض الشخصية التي تحوّل الاستئناف إلى ندرة موحشة وقاتلة، وإنما في كونها تستطيع أن تتعالق مع روح التاريخ ومع كنه العمل الجماعي الذي لا يمكن أن يتوقف عن التنامي والسعي إلى استئناف منتج للاحتمالات والاختراقات الموجبة.

والشيء الأكيد أنه في مراحل الصراع ولحظات الأزمات الكبرى تنتصر عادة الطموحات الشخصية على حساب الاستئناف، وتترسّخ تدريجيا رهانات المسار الفردي، الذي هو السبيل الملكي لتلقي الامتيازات والرفاه الحسي، وهي حالتنا اليوم، حيث الجوائز تكليل لرحلة الغوص في اليأس والقطيعة مع التاريخ وتبجيل المسار الشخصي.

كاتب مغربي

15