أفق للكتابة

الثلاثاء 2017/11/28

لعل السؤال الذي كان وما زال يتردد صداه عميقا في حياة كل كاتب هو لماذا يكتب، وبأي لغة يكتب؟ ولأن السؤال قديم جديد فإن الإجابات عنه كثيرة ومختلفة في آن معا، باختلاف الرؤية التي يمتلكها كل كاتب عن وظيفة الكتابة وجمالياتها، وعن علاقتها بالذات والعالم. هناك الكثير من ما قيل، وسيكون هناك الكثير مما يمكن أن يقال مستقبلا أيضا.

ثمّة من يرى من الكتّاب أن الكتابة هي وسيلتهم للتعرف إلى ذواتهم، في حين يرى آخرون أنها وسيلتهم للتعرّف إلى العالم الذي يعيشون فيه، وبين هذا وذاك ثمّة من يراها وسيلة للتعرّف إلى الذات والعالم في آن معا، وإدراك طبيعة العلاقة الحوارية، التي تنشأ بينهما عبر الكتابة.

في أدبنا العربي القديم يمكن القول إن ابن المقفع وأبا العلاء المعري على اختلاف مجال الرؤية وطرائق التعبير بينهما، يعدّان من أكثر أشكال التمثيل والتمثّل لهذه العلاقة مع الكتابة.

جعل ابن المقفع من التخييل وسيلة لخلق عالم غرائبي يوازي عالم الواقع، عندما كان عاجزا عن نقد السلطة والواقع، ما جعلنا نتعرف عبر هذه الحوارية التي استنطق فيها كائناته الحيوانية إلى رؤيته للعالم الذي عاش فيه وعلاقته به، لذلك كانت نهايته المأساوية تتويجا للظلم واضطهاد الفكر في ذلك العالم.

وعلى خلاف ابن المقفع جعل رهين المحبسين أبو العلاء من الشعر أداته للحوار مع الذات الإنسانية في مواجهة مأزقها الوجودي، وجعل المعرفة شرطا للعلاقة مع هذا الوجود، عندما جعل من العقل مرجعية للمعرفة، وللعلاقة الذاتية مع العالم والحقيقة فيه.

لم تكن الكتابة ولن تكون ذات وظيفة أحادية، كما كان ينظر إليها سابقا من خلال وظيفتها التعليمية، لأن العلاقة التي تنشأ بين الكاتب واللغة أعقد من ذلك بكثير، فاللغة ليست وسيطا أو وسيلة للتعليم ولا لنشر الأفكار والمفاهيم التي حاولت الأيديولوجيات أن تلزم الأدب بها.

كذلك ليست الكتابة كما يتوهّم أصحاب الفن للفن مغامرة جمالية، منزّهة عن وظيفتها الاجتماعية، لأن اللغة ليست كيانا محايدا، أو وعاء نملأه بأفكارنا، ثمة دينامية داخلية خاصة بها، وقدرة على التوالد والتجدّد، في حوارها الدائم مع الواقع والحياة والذات البشرية، وإلا لكانت اللغة استهلكت نفسها تاريخيّا ومعرفيّا.

في الكتابة هناك معادلة الكاتب والعالم واللغة، التي تتوسط هذه العلاقة، أو تستحضر معناها ودلالالتها. الكتابة هي الوسيط الحيّ بين الذات والعالم في هذا الحوار المفتوح بينهما، إنها وسيلة الكشف والاكتشاف في علاقة لا ضفاف لها.

كاتب سوري

15