القراءة كلام

الأربعاء 2017/11/29

القراءة بطبيعتها متعة واكتشاف وتعلم، ولا يمكن أن تمثل عبئا حتى في الحالات القصوى للكتب الصعبة والمركبة أو الرديئة، قد تتخذ إيقاعا بطيئا، ومكتنفا بالترددات، والمراجعات، والعودة المستمرة إلى البدايات للفهم واستبصار القصد، وفي كل هذا لا يمكن أن تخلو القراءة من حافز الاستمرار المبني على الرغبة في معرفة شيء ما، وفي النهاية يمكن أن نقول شيئا بصدد المقروء، للتعبير عن النتيجة المحصلة، لكن لا يمكن أن نمتنع عن الحديث عما قرأناه، إلا في حال انعدام التركيز، ومتابعة الجمل والفقرات دونما إدراك للمغزى، بقصد بلوغ الصفحة الأخيرة.

الصمت نقيض القراءة، والكتب الجيدة هي التي تجعلك تحدث نفسك وتضحك وتعلق وتصدر أحكاما، وكأنك تخاطب شخصا من لحم ودم يجلس إليك، إنها الكتب نفسها التي تستمر في الحضور عبر أحاديثك المتفرقة، لهذا لا يمكن أن نفصل القراءة عن ملكة الكلام، وإن كانت بما هي حالة ذهنية تقتضي الصمت والبعد عن الضجيج، لأن الصخب الذهني الذي تولده يكفي، ويجب فصله عن أي صخب آخر.

نحن حين نتعلم قراءة الحروف نتعلّم نطقها أيضا، والقراءات الجماعية التي كانت تمثل مرحلة أساسية في التعلم، القصد فيها الانتقال من وضع الفردية الذي تقتضيه المواجهة مع الكتاب، إلى حال المواجهة الجماعية التي تنتج لاحقا حديثا مشتركا عن المعاني، لذلك فالامتناع عن الكلام عن الأعمال الفكرية والإبداعية أشبه ما يكون بالامتناع عن قراءتها، الصمت هو الوجه الآخر لعدم القراءة أو للقراءة الممتنعة، وحين نتحمل ضروبا شتّى من العذابات والخيبات والمواجع أحيانا، في قراءات ناكبة، لن يخفف من غلوائها سوى الحديث عنها.

لهذا أعتقد دوما أن الصبر على المقروء يجب أن يضاهيه صبر مضاعف على جريرة الكلام، وما قد يستتبعه من تأويل، سيما حين نعي قاعدة أساسية في عملية القراءة، مفادها أننا نقرأ كتبا من ورق وحبر، ولا نقرأ كيانات بشرية، فالمفترض أن الرواية أو القصيدة أو الكتاب النقدي ملك شخصي لمن اقتناه، وهو مفصول عن مؤلفه الذي قد يكون صديقا أو أستاذا أو رفيق عقيدة فكرية، أو مجرد كاتب لا نعرفه، ومن ثمّ فإن حديثنا عن كتاب ما هو حديث عن مضمون فكري وعن فقرات وفصول ولغة ومجازات، وعن اسم مطبوع على الغلاف لا علاقة له بالشخص الحي الذي قد تجمعنا به آصرة ما، إنه بالأحرى كيان افتراضي ومتعدد متصل بتجليه الكتابي المفرد، في عمل بذاته دون غيره، ولا يمكن أن يتحول الكلام عنه إلى مجرد نميمة أو اغتياب إلا في الثقافات الخرساء.

كاتب مغربي

15