السلطة تحمل الإسلاميين إلى الهامش

الخميس 2017/11/30

انتهت الأحزاب الإسلامية في دول المغرب العربي إلى مجموعات باحثة عن التسلّل إلى الدولة والمصالحة مع منظوماتها القانونية والاقتصادية والثقافية، ولم تعد تحلم بالتغيير الشامل. قد يكون ذلك تقية أو مناورة لتجنب الصدام مع السلطة، خاصة أن الإسلاميين خسروا كل المواجهات السابقة، وقد يكون دليلا إضافيا على أن الأفكار الكبرى تنتهي دائما حينما تصطدم بالواقع.

تجارب الإسلاميين في السلطة مهمّة للحكم عليهم بشكل عقلاني هادئ خاصة أن مشاركتهم لا تترك لهم مجالا للبحث عن مبررات كالتي دأبوا عليها باتهام الآخر (المجهول) بالتآمر لتحجيم دورهم، أو اللجوء إلى المظلومية لكسب تعاطف الناس عبر خلق تغريبة خاصة عن التعذيب والسجن والعزل والتهجير.

وحين تختفي المظلومية بما تحمله من رصّ للصفوف بمواجهة السلطة، لا يجد الإسلاميون، قيادات وقواعد، غير العودة إلى التنظيم لا لوضع خطط سرية، بل لإجراء تقييم يتمركز حول شخصنة الأخطاء وتحميل القيادة مسؤولية الفشل في الصدام مع الدولة، وسرعان ما يخرج الغسيل إلى العلن في مواقع التواصل الاجتماعي، وخلال المؤتمرات أو اجتماعات الشورى، أو المجالس الوطنية، وما جرى على هامش المجلس الوطني للعدالة والتنمية الأخير أبلغ دليل.

لدينا تجارب فاعلة لمشاركة الإسلاميين في السلطة بدول مغاربية، في تونس والجزائر والمغرب، وهي تجارب مستمرة إلى الآن، وبعضها امتد لما قبل ثورات العربي مثل تجربة إسلاميي الجزائر بمختلف أحزابهم وتنظيماتهم.

ثلاث تجارب بدأت بعد مراجعات فرضها الواقع على الإسلاميين فرضا، قوامها أن مشاريع التغيير الكبيرة التي تريد خلق مجتمع على المقاس (مجتمع رباني افتراضي) انتهت إلى صدام غير متكافئ مع السلطة التي تمتلك بيدها مختلف الشرعيات وأوراق القوة.

ويجد الإسلاميون دائما قدرة على منطقة خساراتهم في مواجهة الدولة/ السلطة اعتمادا على الإرث في مواجهة أنظمة متعددة، لكنهم لا يجدون الآن تفسيرا للتراجع الذي يعرفونه في المغرب وتونس والجزائر.

وبعد مرحلة الصدام مع المؤسسات السياسية والعسكرية والدينية القائمة في المنطقة، وفشل أسلمتها عبر الدعوة والاختراق التربوي وبناء مؤسسات استقطاب خيرية وتعليمية وكشفية ورياضية، اضطرت بعض الحركات الإسلامية إلى أن تنفصل عن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، تنظيميا وهيكليا، على أن تحافظ على الروح العامة لمشروع الإخوان، أي إقامة قاعدة أو نموذج للحكم الإسلامي.

وحين فكّت تنظيمات شمال أفريقيا ارتباطها بالتنظيم الدولي، بما هو مشروع أممي أوسع، تحولت إلى حركات محلية/ قُطرية، وهذا دفع بها إلى أزمة فكرية عميقة لأنها تعوّدت على اتباع طريق سالكة فكريا وتنظيميا، ولديها إجابات جاهزة على الكثير من القضايا، واضطرت إلى أن تبحث عن إجابات سريعة، وأن تتأقلم مع هوية طارئة دفعتها إما إلى تقديم تنازلات مثل تغيير الاسم، وإما إلى دخول معارك مجهولة غير مسنودة بفتاوى مثل تكوين أحزاب تحت قوانين وضعية تشترط التخلي عن الهوية الدينية، وإما إلى الدخول تحت مظلة الديمقراطية والقبول بالآخر، والاعتراف بقوانين ومواد تتناقض مع مفاهيمها الشرعية.

وكان هدف الإسلاميين في دول المغرب العربي من تأسيس أحزاب سياسية هو المناورة وسحب المبررات من الدولة، التي تديرها شخصيات علمانية مناوئة، على أمل أن تترك لهم المجال واسعا للتحرك بحرية وإعادة تنظيم أنفسهم وتوسيع دائرة الاستقطاب وبناء شبكات اقتصادية وثقافية لتوسيع دائرة التأثير في مجتمعات لا تقبل ثقافتها بالانفتاح على كيانات في عداء مع ولي الأمر، أيا كان وضعها الاجتماعي.

ويبرر الكثير من الإسلاميين تحولهم إلى حركات محلية بكون تيارات يسارية وقومية اضطرت قبلهم إلى أن تنقلب إلى جماعات محلية، وأن تتسرّب إلى الدولة وتتصالح معها متخلّية تماما عن أفكارها الكبرى. لكن مشكلة الإسلاميين أنهم لم يستطيعوا التخلي عن الأفكار الكبرى، وسعوا إلى بناء تجارب محلية بتلك الأفكار، وهو ما دفعهم إلى الصدام مع الدولة من دون غطاء حقوقي أو نقابي أو ثقافي لوجود مخاوف واسعة بين السياسيين المعارضين والحقوقيين والمثقفين من مشروع الإسلاميين في الحكم خاصة في ظل تمسكهم بتطبيق الشريعة، وما يمثله الشعار من محامل تاريخية تربطه بتطويع الدين لتصفية الخصوم.

وبعد الصدام الدامي وما خلفه من قناعة ثابتة لدى الحركات الإسلامية بأن هزيمة الدولة مستحيلة، وأن الأفضل مسايرتها والسير في ركابها، بدأ الإسلاميون في شرعنة المشاركة السياسية وربطها بتقديم التنازلات الفكرية المؤلمة، بما تعنيه من إزالة المخاوف لدى الطبقة السياسية والثقافية المهيمنة، وهذا ما يفسر تخلي الإسلاميين عن المطالبة بتطبيق الشريعة وإعادة شعار “الإسلام هو الحل” إلى الرفوف.

وبلغت التنازلات حد التماهي مع المشاريع التي تقدمها السلطة والتحول إلى حزام داعم للمنظومة القائمة، مثلما كان الأمر في الجزائر مع حركة مجتمع السلم الإخوانية التي انضمت لسنوات إلى التحالف الرئاسي في الجزائر، ومثلما يجري الآن في تونس حيث صار دور نواب حركة النهضة في البرلمان تمرير القوانين التي تقدمها دوائر مالية ورجال أعمال عبر حزب نداء تونس، مقابل الحفاظ على التوافق القائم والذي تلتزم فيه النهضة بتلك التسويات مقابل القبول بمشاركتها في المشهد السياسي واستبعاد الخيار المصري الذي قد يعيدها إلى نقطة الصفر.

ويُتهم الإسلاميون بأنهم ميّعوا الثورات بعد أن تصدروا الحكم في ما بعد 2011، وأنهم تصالحوا مع الفساد واللوبيات النافذة التي تسيطر على القطاعات الحيوية، والتي استطاعت أن تنجو من موجة المحاسبة بعد أن كسبت ود الإسلاميين، وأن بعض رجال الأعمال عرضوا تقديم دعم لقيادات إسلامية، وتسهيل انفتاحهم على عالم رجال المال والمؤسسات المالية مقابل المساعدة في تمرير قوانين أو استثناءات لفائدتهم.

وسواء اضطر الإسلاميون إلى المصالحة مع الفساد، أو قبلوا ذلك عن طيب خاطر في سياق خطة لاسترضاء مراكز النفوذ في الدولة العميقة، فإن صورتهم تراجعت بشكل كبير بين الناس، وهو ما يفسر تراجع نتائجهم في تونس في انتخابات عام 2014، وحصولهم في الجزائر على أدنى نسبة في الانتخابات المحلية الأخيرة، واهتزاز صورة الإسلاميين في المغرب بسبب فشل حكومتهم في تحقيق نتائج ذات مردودية اقتصادية واجتماعية، وعلى العكس فقد فشلت حكومة سعدالدين العثماني، ومن قبلها حكومة عبدالإله بن كيران، في تجنب الاحتجاجات ضد سياستها مثلما جرى في أزمة الحسيمة.

ولا يخفي شق واسع من جمهور الإسلاميين على شبكات التواصل أن أحزابهم خسرت على الواجهتين، فلا هي ظلت أحزابا أيديولوجية حالمة بالتغيير الشامل، ولا هي وصلت إلى السلطة وتمركزت فيها، وهي السلطة التي لأجلها تخلت تلك الأحزاب عن هويتها العميقة وتحالفت مع الدولة العميقة لتعترف بها، لكن ذلك لم يحصل، وظلت على الهامش في الصورتين.

ربما يكتشف الإسلاميون بعد تسعين عاما من الحلم بدولة دينية على غير مقاس أن الرحلة كانت سرابا، وأن الأمر لا يتعلق بالشريعة، ولا بالاجتهاد، ولا بمدونة فكرية تتشدد في التنزيل الحرفي للنص، وإنما ببناء نموذج يمشي على الأرض ويعالج قضايا الناس، وهو ما سيحولهم من “فرقة ربانية” ناجية، إلى أحزاب محدودة التأثير يمكن أن تساهم إذا تخلت عن الغرور والوهم في بناء التنمية، لكن كيف ذلك؟

من الواضح أن أحزابا مثل حركة “حمس” الجزائرية، أو حركة النهضة التونسية، أو حزب العدالة والتنمية المغربي، وحين نزعت عنها غطاء النص/ التفسير المقدس، تحولت إلى مجموعات براغماتية لاهثة لأجل الاحتماء بالسلطة، وهو ما يعني أنها تحولت إلى أحزاب ليبرالية تفقد وزنها مع كل انتخابات لتنتهي في الأخير إلى أحجام عادية تحدد فعاليتها وجدواها قدرتها على خدمة الناس بالبرامج وليس بالأفكار الحالمة، أو الرغبة في تغيير كل شيء على قاعدة “أنا وبعدي الطوفان”.

كاتب وإعلامي تونسي

8