إقالة «الرجل القوي» في دائرة الإعلام والتوزيع في المخابرات الجزائرية

الخميس 2013/07/25
العقيد فشل في ادارة الملفات الاعلامية في الجزائر

يتداول على نطاق واسع في الجزائر خلال اليومين الأخيرين خبر إحالة مسؤول دائرة الإعلام والتوزيع التابع لمديرية الأمن والاستعلامات، العقيد فوزي، على التقاعد.

وجاء القرار المثير مفاجئا للمتابعين، لأن الإحالة على التقاعد هي في حقيقة الأمر إقالة وخروج من النافذة لعقيد في الاستعلامات قضى أكثر من 20 سنة في تسيير دائرته، وعاش كل المراحل التي عرفتها الجزائر خلال العقدين الماضيين، سيما على مستوى الإعلام الذي هيمن عليه وقضى على كل صوت يغرد خارج سرب السلطة، بواسطة الاحتكار الذي تضربه الدائرة على الإعلان الحكومي الذي تحول سلاحا لشراء الذمم والضغط وخلق التوازنات.

وذكرت مصادر إعلامية إلكترونية في الجزائر أن مسؤول دائرة الإعلام والتوزيع قد أحيل على التقاعد، بقرار من رئاسة الجمهورية.

وأضاف «موقع كل شيء عن الجزائر»، أن القرار اتخذ في اليوم الموالي لعودة الرئيس بوتفليقة إلى البلاد.

وأوعز المصدر إلى أن الإحالة على التقاعد كانت بسبب ما سمي بفشل الرجل في إدارة الملف الإعلامي لمرض رئيس الجمهورية، والفوضى التي عاشها القطاع في التعاطي الإعلامي مع الملف، سيما ما عرف بقضية الإعلامي هشام عبود مالك صحيفة «جريدتي»، التي سبق للسلطات أن منعت سحب أحد أعدادها وأوقفت عنها الإعلان الحكومي، على خلفية الملف الذي نشرته منذ أسابيع حول صحة الرئيس وزعمها أنه «أدخل إلى البلاد سرا في حالة متقدمة من المرض». الأمر الذي أثار حينها لغطا كبيرا في مختلف الأوساط، سيما في ظل التعاطف الإعلامي والحقوقي الذي حظي به عبود في الخارج، خاصة بعد أن وجد نفسه متابعا من طرف القضاء الجزائري بعدة تهم تتعلق بإطلاق تصريحات تهدد الأمن الوطني والوحدة الترابية.

وقالت مصادر مطلعة لـ»العرب» أن العقيد المقال وقع في حرج شديد بعد الانقلاب الذي طرأ على مواقف وافتتاحيات صاحب يوميتي «جريدتي» و»مون جورنال»، الضابط الاستخباراتي السابق والمعارض الذي قضى أكثر من عقد في منفى اختياري بفرنسا.

وكانت عودته الأخيرة إلى الجزائر في إطار صفقة بين المعارض وجهاز الاستعلامات، يتم بموجبها الكف عن المعارضة في الخارج. مقابل حصوله على ترخيص لإصدار صحيفتين يوميتين تحظى بحصة معتبرة من الإعلان الحكومي، وكان العقيد أبرز ضلع في الصفقة.

ومع تحول صحيفتا عبود إلى معارض شرس للسلطة وخوضها بقوة في انتقاد رئيس الجمهورية والمحيط الدائر بها، وقع العقيد في حرج أمام سلطاته العليا بسبب ما جناه عليه زميله السابق، هشام عبود.

وتروي ذات المصادر رواية أخرى لإقالة العقيد فوزي من مبنى بن عكنون، وتذكر أن الرجل الذي قضى أكثر من عقدين برتبة عقيد، كان ينتظر في احتفالية الخامس من يوليو أن تتم ترقيته إلى رتبة أعلى إلا أنه لا شيء من ذلك حدث، الأمر الذي جعله يفقد أعصابه ويخرج عن تحفظه العسكري، وهو ما شكل ذريعة لوصايته لأن تقوم بإحالته على التقاعد وتعويضه بعقيد آخر يدعى «عقبة».

وتعتبر تنحية الرجل القوي في مبنى بن عكنون تحولا مهما في مسار الدائرة التي كان يرأسها، فبعد عشرين سنة من تسيير العقيد لها وجدت الجزائر نفسها متخلفة إعلاميا على مستوى كل الأصعدة، ومتخلفة في إدارة أزماتها إعلاميا.

وخير دليل على ذلك مسألة مرض الرئيس، وقبلها كان الهجوم الإرهابي على عين أميناس، وفتح المجال الجوي للقوات الفرنسية لضرب القاعدة في مالي، وكذا المواقف الرسمية تجاه بؤر الربيع العربي. وهي المحطات التي فشلت الجزائر في إدارتها إعلاميا، ولم تستطع الترويج لبعض مواقفها رغم أن التطورات أثبتت صوابها، كما هو الأمر بالنسبة إلى مواقفها من الربيع العربي وسقوط الأنظمة في تونس وليبيا ومصر، والوضع في سوريا والصعود السريع للإسلام السياسي في المنطقة.

من جانب آخر لا تستبعد مصادر «العرب» أن يكون الإعلان الحكومي الذي يعد أحد الأوراق المهمة لدائرة العقيد المقال، من الأسباب التي تقف وراء القرار بما أن هناك من يذهب إلى حد اتهام الدائرة بالتوزيع المشبوه غير الخاضع لمقاييس مهنية معينة وشفافة.

وفتحت تحقيقات حول حالات ثراء غير مبرر لبعض ملاك الصحف على حساب المهنية والعدالة في توزيع الرأسمال الوطني على عموم مستحقيه. وتضيف ذات المصادر أن العملية المذكورة وظفت في غالب الأحيان في شراء الذمم وتكميم الأفواه، وتعويم السوق بعشرات النشريات التي ظهرت بإيعاز شخصيات نافذة أو مقربة من الدائرة المذكورة، من أجل الاستفادة من ريع الوكالة الوطنية للنشر والإشهار.

في حين كان الأجدر حسب مصادرنا استغلال إمكانيات الدائرة لتطوير وترقية الإعلام الجزائري، وإكسابه توجها مهنيا يسمح له بتمرير رسائله والترويج لمواقف بلده.

يشار إلى أن العقيد فوزي الذي أحيل على التقاعد التحق بدائرة الإعلام والتوزيع في مطلع التسعينيات، وفي منتصف العقد حول إلى إيطاليا لشغل منصب الملحق العسكري لسفارة الجزائر بروما، ليخلفه في المنصب العقيد حاج زوبير. لكن ما لبث أن عاد إلى منصبه في مبنى بن عكنون إلى غاية الثلاثاء الماضي.

وهو ضابط محسوب على التيار الاستئصالي أو ما يعرف بـ»صقور» الجيش، الذين هيمنوا على المشهد العام للبلاد خلال التسعينيات التي شهدت مواجهة مباشرة وشرسة ضد الإسلاميين سواء ميدانيا أو فكريا وحتى إعلاميا.

والعكس تماما على العقيد «عقبة» الذي خلفه في المنصب والذي سبق له أن شغل منصب مستشار عسكري لسفارتي الجزائر في السودان والعربية السعودية، وهما البلدان اللذان يهيمن عليهما التوجه الديني ويسودهما صراع مرير بين مختلف التيارات والمدارس الدينية.

وهي الخبرة التي سيوظفها حتما في التعامل مع إسلاميي الجزائر الذين يحذوهم أمل كبير في افتكاك السلطة خلال الاستحقاقات القادمة. كما يترقب المتابعون ملامح التغيير الحاصل على مستوى شكل ومضمون المشهد الإعلامي في الجزائر، الذي ينتظر بفارغ الصبر مجاراة زملائه في الغرب وحتى في العالم العربي، واستعادة الجمهور الجزائري الفار من إعلامه بسبب الرداءة والشمولية، واللاجئ إلى فضائيات مختلفة يحاول البحث عن نفسه فيها.

18