ديسمبر 04, 2017

نحر أميركي للتسوية

تؤكد كافة المصادر القريبة من دوائر اتخاذ القرار الأميركي أن الرئيس دونالد ترامب يحضّر لإعلان القدس المحتلة عاصمة لإسرائيل خلال كلمته التي سيلقيها الأربعاء القادم. وإن صحّت الأخبار المتواترة من مصادر أميركية مختلفة، فإن ترامب يكون بذلك قد أوفى بعهده الانتخابي الذي قطعه لصالح المنظومة المالية والعسكرية والإعلامية التي جاءت به رئيسا لبلد العم السام وحاكما بأمره على الحدائق الخلفية لأميركا.

مثّل إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، ديدنا انتخابيا ومحورا دعائيا لكافة الرؤساء الأميركيين قبل الانتخابات، وشعارا سياسيا وهدفا إستراتيجيا بعيد الانتخابات، ولكن لم يجرؤ أحد من الرؤساء على اتخاذ قرارات رسمية في هذا السياق، ولم يقدم أحد على خطوة نقل السفارة الإسرائيلية من تل أبيب إلى القدس المحتلة.

حيث كان الأمر برمته يرحل إلى المفاوضات المفصلية المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، حيث يكون مصير القدس المحتلة رهين محادثات “سلام الشجعان” ارتباطا بقضايا كبرى على غرار عودة اللاجئين والحدود الجغرافية النهائية وفلسطينيي الداخل.

عديدة هي الكوابح التي كانت تفرمل الإعلان الأميركي للقدس كعاصمة أبدية وتاريخية لإسرائيل، فالقرار إعلان نهائي لاغتيال أميركي إسرائيلي لاتفاقات أوسلو 1993 ولتحوّل واشنطن من راع للحل في الشرق الأوسط إلى طرف واضح وصريح في معادلة الصراع على الشرق الأوسط.

فمنذ لقاءات مدريد ونيويورك 1991، نصّبت واشنطن نفسها، عقب سقوط الفاعل السوفييتي وانسحابه من مشهدية الفعل والتغيير في الإستراتيجية والسياسة في الوطن العربي، حكما على كافة التسويات المتعلقة بإسرائيل، بدءا بأوسلو 1993 وانتهاء وادي عربة 1994، تأسيسا على رعايتها لاتفاق كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل في 1978.

ولئن كان إطار الحل الفلسطيني الإسرائيلي يقوم على مبدأ تقاسم القدس، شرقية وغربية بين الطرفين مع وضع المدينة المقدسة ضمن رعاية أممية، فإن الخطوة الأميركية تمثّل نحرا للتسوية، شكلا ومضمونا.

مسار التضييق الأميركي على السلطة الفلسطينية خاصة والفصائل الفلسطينية، شهد تصعيدا خطيرا في الآونة الأخيرة، بداية بالموقف الأميركي المتطرف من منظمة اليونسكو، ومرورا بقرار شبه إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، وليس انتهاء بالامتعاض الأميركي الواضح من اتفاق المصالحة بين فتح وحماس.

هذه المقدمات التصعيدية حيال الطرف الفلسطيني تفضي بالضرورة إلى نتائج “تهويد القدس” واعتبارها عاصمة لإسرائيل.

وعندما يجتمع المتطرف في واشنطن بتطرف التطرف في تل أبيب بصمت القصور في العواصم العربية، تكون النتيجة كارثية سواء في الجغرافيا الفلسطينية أو مسار التسوية أو في تقلّبات المشهد السياسي والإستراتيجي في المشرق العربي.

خلال سنة خلت أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي تصوّره للحل مع الفلسطينيين، مشيرا إلى أنّ منظومة التسوية الإسرائيلية الفلسطينية لا بد أن تبنى وفق مقولة “الدولة والنصف” لا الدولتين.

ومضمون “الدولة والنصف”، وفق التعريف الإسرائيلي والتصديق الأميركي، تعني الدولة الإسرائيلية على الجغرافيا الحالية بكافة المستوطنات والمعابر في الضفة الغربية مع تهويد كامل للقدس وسيادة عسكرية وأمنية على القطاع، في حين يحظى الفلسطينيون بـ“النصف” مجسدا في فتات السلطة وشتات الجغرافيا في الضفة الغربية والسيادة المنقوصة في القطاع المحاصر.

يتنزل الإعلان الأميركي المزمع الأربعاء، في سياق المقاربة الإسرائيلية للتسوية وضمن إطار “صفقة القرن” وفق التصوّر الترامبي. وهي صفقة تصفية لا تسوية، إذ أنها تضع فيتو لصالح تهويد القدس وفيتو ضد عودة اللاجئين الفلسطينيين، وتمنع تحوّل السلطة إلى دولة، وتحول دون تصيير الجغرافيا المنشطرة في الضفة الغربية إلى جغرافيا متكاملة.

على الفلسطينيين دراسة كافة البدائل دون استبعاد أي فرضية، فراعي المفاوضات انكشف بأنه الذئب السياسي والإستراتيجي، وأطر وأسس الحل باتت خارج الراهن والرهان ما يفضي تغييرا ثوريا في مستوى رعاة التسوية وفلسفة المفاوضات وشكل وسقف المحادثات.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

9