غسّالة الملابس

الأربعاء 2017/12/06

“هل أنتم مثلي تحبون التفرج على غسالة الملابس وهي تدور وتدور وتدور؟”.. ضحكنا وهي تسألني هذا السؤال.. وأجبتها بنعم وطبعا وبلا شك!.. وتعالت ضحكاتنا أكثر.. ثم رحنا نحاول معاً أن نبحث عن السبب.. فهل تحيلنا حركة غسالة الملابس إلى مدينة الألعاب وإلى طفولتنا مثلاً؟.. أم أنه هاجس النظافة الذي تمنحه لنا؟.. أم هو إحساسنا بالامتنان ربما لتلك الخادمة المطيعة التي تقوم بغسل ملابسنا وملابس أطفالنا وأزواجنا نيابة عنا ودون شكوى أو تذمّر؟.. أم لأمر ما نجهله في داخلنا؟

ولهذا الـ”أمر” أيضاً قصة أخرى.. ففي واحدة من جلسات التأمل واليوغا الروحية التي انضممت إليها قبل سنوات.. كانت الـ”يوغي” (وهو تعبير يطلق على المدربة المختصة أو المعلمة في هذه الجلسات) توّجهنا بحديثها الشيق.. فتطلب منا أن نغمض أعيننا ونركز على الشهيق والزفير الذي يلخص تنفسنا.. ثم تطلب منّا أن نتخيل وجود غسالة ملابس كبيرة جدا.. وتسأل كل واحد وواحدة منا أن يفتح باب الغسالة الخاصة به ويدخل داخلها ويغلق عليه الباب.. وأن يتخيل جسده وكأنه قطعة قماش من لون معيّن مفضّل لديه.. تطلب أن نقرر السرعة فقط.. لأنها أخذت على عاتقها كل المهمات التي تتطلبها عملية غسل الأجساد والأرواح من الطاقة السلبية!

وقالت “لا تقلق بشأن كمية الضوء والدفء الذي سينهال على الجسد والروح.. والذي ستتم به عملية التطهر التام من أي طاقة سلبية قد تشكلها بقعة هنا أو لطخة هناك.. جرح هنا أو صدمة هناك.. من ألم أو حزن أو جوع أو عوز أو فقد أو خيبة أو فشل أو جبن أو تخاذل أو إحساس بالعجز أو الضعف أو الذنب أو العار أو الحقد أو الرغبة بالانتقام أو الحسد أو عذاب الضمير أو الخطيئة.. أو.. أو.. كل شيء سيكون في عناية الضوء وتحت رحمة دفئه وتدفقه.. وهو الذي سيتكفل بتنظيف كل شيء.. والآن لنبدأ.. تنفّس بعمق.. الأوكسجين وحده طاقة كونية.. راقب تنفسك جيدا وحاول أن تجعله منتظما..الغسالة الهائلة تقوم بعملها الآن.. إنها تدور وتدور وتدور.. إنها تهيل الضوء بما يكفي ويفيض دفئا وفرحا وأملا وتفاؤلا وتقبلاً ومغفرة ورحمة ومحبة.. يفيض الضوء لونا أكثر سطوعا وبهاء.. يغسل كل ما قد علق بالروح من ترسّبات وشوائب وأحمال أثقلت كاهل الروح ولوثت رؤياها وصفاء لونها.. والآن.. وقد أتممنا العمل وأنهينا جولتنا.. تستطيع أن تفتح الباب.. وأن تخرج إلى العالم.. تستطيع أن تتنشق شذى النفس التي توضأت واغتسلت وتعطرت بعطر النقاء.. تستطيع أن تعود إلى عالمك وأنت أكثر تصالحا معه ومع ذاتك.. وحينما تكون جاهزا.. افتح عينيك”..

كلما عدتُ بذاكرتي إلى تلك الجلسة استعدت أنفاسي وأحسست كم نحن مسؤولون عن مشاعرنا وعن حياتنا..

وكم نملك بقرار داخلي محض أن نغيّر خارطة أعمارنا.. كم نملك أن ندير دفة الحاضر كما نشاء نحن لا كما تشاء الريح أو الموج الغاضب أو شراع الظرف والآخرون..

وأعود لصديقتي لأجد نفسي أضحك فرحا وأنا أكتشف ذلك السر الطفولي الجميل.. الذي يجعلني أستمتع وأنا

أتفرج على غسالة الملابس وهي تدور وتدور وتدور.. وكأنني أتفرج على روحي وهي تغسل نفسها من شوائب الحياة..

شاعرة عراقية

21