ديسمبر 07, 2017

موسيقى الأمومة

توجد موسيقى في كل ما نفعله: في المشي، في الكلام، في الأكل، في التنفس، في السكوت، في القراءة وفي الجلوس صامتين أمام التلفزيون، وهي موسيقى وإن كنّا لا نشعر بها عندما نلتزم بنسق متناغم مناسب، إلا أنه بمجرد أن تختل أو يصيبها نشاز هنا أو هناك، حتى نشعر بأثر ذلك على كل ما هو حولنا. هذه الموسيقى هي ما نسميه إيقاع الحياة.

أفعالنا وكل ما يصدر عنا من حركات وتصرفات وأقوال موزونة على سلم ما يحدد درجة وحدة النوتة التي نؤدي بها وظيفتنا في الحياة. بعضنا يصرخ وهو يحيا، بعضنا يحيا في هدوء، وآخرون يعيشون حيوات صامتة أو تكاد.

هذه الموسيقى وهذا الإيقاع هو ما يبقى في النهاية، ولهذا يجب أن نعلم أبناءنا منذ الصغر قيمة الإيقاع الصحيح وأهمية الموسيقى في أفعالهم اليومية، من أجل أن نساعدهم على إيجاد إيقاعهم المتناسق الذي يسهل عليهم حياتهم في المستقبل.

إذا كنت تطبخين وجاء ابنك ليقف إلى جانبك، لا تمنعيه من سحب الأواني والجلوس على الأرض والدق عليها بملعقة أو غطاء قدر، لولا الحاجة إلى الموسيقى لما فعل، لولا الغناء الذي في الداخل لما بحث له عن إيقاع يحمله ويطير به في الفضاء.

إذا كنت تمشين بجانب طفلك، لا تمشي أسرع منه، ولا تشوشي موسيقاه باللهاث والمشقة. اجعلي خطوتك مكملة لخطوته، متناسقة معها، حتى تكون موسيقى المشي بين الأم وابنها رائعة وتستحق انحناء الأشجار.

إذا تأخر عنك في المشي، لا تصرخي فيه، وتطلبي منه أن يحث خطاه للحاق بك، يتأخر الأطفال ليروا أمهاتهم كاملات، وهو ما يستعصي عليهم عندما يكونون قريبين منهن، فيبدون بعيدات مثل السماء.

إذا بكى طفلك اتركيه يبكي إلى آخر البكاء، لا تصرخي في وجهه ليصمت، اسأليه بهدوء ماذا يريد، سيزيد ساعتها من بكائه، فالأطفال يبكون ليقولوا للعالم إنهم موجودون. ولأنهم صغار، لأن أصواتهم هشة ورئاتهم صغيرة، يتنفسون بذلك الصوت العالي، الذي يسميه الكبار بكاء.

مهمة الموسيقى التي في قلوبنا وأقدامنا وطريقة حديثنا، هي في جعل العالم ألطف وأكثر رأفة وحنانا، ولولا هذه الموسيقى لتحولت الحياة إلى أفعال وأقوال ومهام جافة، قاسية، متشابهة بين كل البشر.

بأيدينا أن نجعل نهارنا أغنية حلوة ترددها معنا أواني المطبخ وصوت الماء وهو يلامس أيدينا، وحركة الستائر وهي تفتح أو تغلق، وارتطام أقدامنا بالأرض، وهفيف أجسامنا وهي تنحني أو تنهض، وهمس الريح في شعورنا، بإمكاننا أن نسمع تلك الأغنية بأذاننا المجردة، ونتشاركها مع من هم حولنا، جاعلين منها الإيقاع الذي على وقعه يتحرك الجميع ويعيش. هذا ممكن لو أننا أنصتنا جيدا للتفاصيل من حولنا، فكل ما هو حولنا يتكلم، ويتفاعل ويستجيب.

لعب الأطفال وضجيجهم وصخبهم جزء من هذه الموسيقى، هي اللحظة التي يجب أن ترتفع فيها أصوات الآلات وتتداخل الإيقاعات، وتعلو النوتات، لحظة مهمة في حياة البشر، عليهم أن يخفضوا من أجلها حركتهم ويمسكوا أنفاسهم ليستمتعوا بها حتى آخرها، قبل الهبوط الذي يعيدهم إلى إيقاعهم الرتيب الهادئ.

كاتبة تونسية

21